المستبدون

((كلما زاد المستبد ظلما واعتسافا زاد خوفه من رعيته، حتى من حاشيته ومن هواجسه وخيالاته)). تقرير واثق من المفكر الكبير عبدالرحمن الكواكبي رحمه الله تعالى. ومفهوم هذا المنطوق: كلما ازداد الحاكم عدلا ورفقا برعيته، زاد حبه في قلوبهم، وأمن على ملكه، بل أصبحوا دروعا له يفدونه بأرواحهم وأموالهم. 

ما تضج به الديار العربية من حولنا ثورات شعبية عارمة، ليست مدروسة العواقب بالشكل الكافي، بل من الواضح جدا أنها لا تستهدف غير الخلاص من القمع المسلط على رؤوسها، وما بعد ذلك ليس له برنامج، ولا أجندة محددة، ولا خارطة؛ لأن الذي قام بها رجل الشارع، وليس سليل الحزب، المؤطر بأيدلوجية مزمنة.
ومن التجارب التي تقدمت يتضح ذلك، فالمخاض عسير جدا، والخلافات بين الأطياف السياسية شديدة، والاتهامات حاضرة في المشهد بكل روائحها النتنة، ولكن الشعوب ترى أن ذلك أمر طبيعي في البدء، ولابد مما لابد منه.

إذن لماذا تحركت هذه الشعوب؟ ولماذا وصلت إلى حد الانفجار؟ وكيف أقبلت على عواقب مظلمة غير واضحة المعالم؟
يظهر أن ذلك يرجع إلى نتائج طبيعية للضغوط التي مارستها عليها تلك الأنظمة المستبدة بخيرات أرضها؛ التي كان الإنسان في عرفها لا قيمة له، ولا تبالي بمشاعره، ظنت أنه لا يزال الزمن في صالحها، ولم تحسب للتطور الذي حدث للوعي السياسي الفردي حسابا، حين يوازن المواطن بين حريته الشخصية المسروقة، وكرامته المسلوبة، وحياته الممتهنة، وبين أية عواقب أخرى، فلا يجد ترددا في نفسه، فيخرج إلى الشارع بلا فكرة مرجعية، ولا رؤية مستقبلية؛ ليقتل فورا بدم بارد، ولكن العجيب أن يخرج آخر؛ ليؤسر ويعذب عذابا أشد من الموت نفسه، وبدلا من أن يخيف العنف الدموي المحموم بعقم الحكم الرجل الثالث، إذا به يهرع من بيته مودعا أهله وذويه، ليلقى مصيرا ربما أسوأ من صاحبيه، حين يجرح، ويعلق على عمود بيته لينزف حتى يموت.
ولكن الطغاة الظلمة لا يفهمون حقيقة رهيبة، أن أنهار الدماء تسقي غابة الشهداء، وأن على رأس كل نخلة قمرا يضيء مستقبل تلك الأوطان المنكوبة برعاتها.
لو لم تكن هذه المفاهيم تسكن قلوب السوريين الذين ذبح شيوخهم وشبابهم على جدران المدارس في حماة، وبقي النساء ليجروهم إلى بيوتهم جثثا، أو شبه جثث، قبل أكثر من ثلاثين عاما، لما تحرك الجيل الجديد من جديد وهو يتوقع المصير نفسه.
برقية إعجاب
سمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، كم أعشق كلماتك عن محنة سوريا، وأتمنى أن يقر الله عينيك بمصرع النظام البعثي الظالم. 




اترك تعليقاً