طريق الهجـرة بمرسـم القـاضي

كثيرًا ما كنت ألحُّ على الدكتور عبدالله بن حسين القاضي أن يكون له موقع خاص به؛ ينشر عليه أبحاثه، ويزيد من تواصله بمتابعيه، في عصر نافست الشاشات الصغيرة قبل الكبيرة صفحات الكتب.. مع الأهمية البالغة لطباعة المنتج العلمي لعالم مثل الدكتور عبدالله؛ تخلد عطاءه، وتنقله إلى أجيال البشرية القادمة بإذن الله تعـالى.

وقد اطلعت له على ثلاثة أبحاث تمثل مشروعًا متكاملًا؛ يحاول فيه أن يصل إلى تتبع وتوثيق ورصد معالم طريق الهجرة النبوية، ومن ثمّ عرضها بأسلوب رسومي دقيق وميسّر يجعلها في متناول المهتمين من العامة والمختصين الراغبين في التعرّف عليها.
وقد أمكن الباحث ـ بفضل الله تعالى ـ أن يجمع ويحقق المعالم المكانية والزمانية لطريق الهجرة النبوية من خلال تتبع روايات علماء المسلمين الأجلاء (151-1393هـ)، وهي فترة شاسعة تزيد على قرن من الزمان؛ تنوّعت فيها أنماط الكتابة للسيرة النبوية، وتعدّدت فيها الروايات؛ مما تطلب جهدًا ضخمًا تمخّضت عن جدول واحد متكامل شامل، بدأ من غار ثور ووصل إلى قباء، خلال اثني عشر يومًا، شمل خمسة وسبعين موضعًا، اختار منها واحدًا وأربعين، رتّبها الباحث ترتيبًا زمنيًا، وزاد البحث أهمية استخدام الباحث للمصطلحات الحديثة في القياس، مما قرّب الصورة أكثر لمعاصريه.
وأوضح الباحث في بحثه الثاني أن وضع الخرائط للهجرة يحوّل المعلومات النظرية إلى معلومات مكانية جغرافية مبسّطة وواضحة، وعكف على منهجية بدأت بتقويم عشر محاولات سابقة بدأ أولها عام 1398هـ، باستخدام عدد من معايير الفعالية والجودة؛ مثل: درجة الشمولية ومدى ملاءمة المحاولة الرسومية للغرض المأمول منها، ثم وضع منهجًا علميًّا موضوعيًّا لمثل هذا التقييم، وتلك إضافة قيّمة يتعدى نفعها موضوع البحث بالطبع إلى إمكانية تطبيقها على موضوعات أخرى مماثلة.
وبما أن جميع المحاولات السابقة حصلت على أقل من متوسط، فقد كان من المهم ـ علميًّا ـ إنتاج رسومات وخرائط جديدة أكثر دقة ووضوحًا وشمولية وملاءمة، هي التي أنتجها الباحث في بحثه الثالث باستخدام أنظمة الرصد العالمية (GPS) وأنظمة المعلومات الجغرافية (GIS)، وهو البحث الذي يمثل محصّلة هذه الرحلة البحثية التي زيّنها ذكر المصطفى «صلى الله عليه وسلم»، وقد ذهلت حين رأيت الباحث ـ على سبيل المثال ـ يحدّد موقع حادثة سراقة بن مالك في (وادي كلية) ويذكر إحداثية الموقع ومقدار بُعده عن الكعبة من جانب وعن المنبر النبوي من جانب آخر، ووقت المرور؛ يومًا، وتاريخًا؛ هجرة وميلادًا ويضع له صورة ملوّنة، وهكذا كل موضع، مع خريطة له.. فأي جهد بذل؟! طابت أناملك يا أبا محمد. 



اترك تعليقاً