الفرح المحزن

(الوطنية) كما أفهمها: أن أحب الوطن الذي ظللني الله فيه بنعمته، حتى يكون جزءا مني، وعزيزا علي بالقدر الذي لا أساوم عليه، ولا أقبل أن تمس منه ذرة من تراب، وأن أحافظ على تراثه ومقدراته، وأن أسعى لبناء مستقبله، وأجاهد من أجل أن يبقى رفيع الجناب، علي القدر، مهابا، ومحبوبا. 

وحين يبتسم وطني سأضحك، وحين يرمقني بعين سأملأ عيني اثنتيهما من نوره، وحين يقترب مني سأقبل عليه، وحين يدبر عني سألاحقه، وحين يحتاجني سيجدني جنديا صغيرا في جيشه.
أنا لا أفهم (الوطنية) غناء ورقصا، ولا سفورا ومعاكسات، ولا فوضى في الشوارع، ولا اعتداء على المال العام أو الخاص، ولا تجمهرا فارغا، يجمع الفارغين من الروح الإيجابية الفاعلة، ومن العقول الناضجة.
ولا أفهم (الوطنية) مؤقتة بزمن، ومحصورة في مكان، ومؤطرة بمناسبة عابرة، بل أفهمها ذكريات بعدد أنفاس الصباحات المتعاقبة كل يوم طوال السنة.
إذا مرت ذكرى تحمل عبق الوحدة، وتذكر بأساسها، حمدت الله تعالى، وشكرته على نعمة الأمن والإيمان، والسلامة والاستقرار، وسألته أن يديمها على هداه، وأن يزيدها رسوخا بالتمسك بشرعه.
وإن ما رأيته في سنوات قريبة سابقة من بعض شبابنا في بعض المناسبات الوطنية من تجمعات سمجة، تحمل بين طياتها روحا غريبة على أبناء البلد، تستهدف تقديم صورة رديئة بل قبيحة عن الشباب مستقبل الوطن ولُحمة بنائه، إن ذلك ليحزنني بقدر فرحي لوطني، وإن كنت أعلم أن مثل هؤلاء لا يمثلون كل شباب وطني، ولكن يعز علي أن أجدهم تتشعب بهم الأهواء؛ فيخربون بيوتهم بأيديهم.
ليس مقبولا أن تعطل الطرق، ويعرض المارة للإزعاج بأصوات الموسيقى الصاخبة التي لا تمت إلى وطن الشريعة بصلة، بل قد يتعرضون للموت بالتفحيط المجنون، والتهور في السرعة.
ليس مقبولا أن تتحول الأسواق المغلقة إلى أماكن خطرة، بسبب اعتداء الشباب على خصوصيات العوائل بألفاظ جارحة، وحركات قذرة جريئة.
لا الوطن ولا ولاة الوطن يطيب لهم أن يروا فرحة الشباب بمناسبة وطنية تتحول إلى فرصة لمن في قلبه غل أو حسد أو حقد؛ لينفس عن كل ذلك.
وأقبح من ذلك أن يستجيب الشباب الفارغون من كل ذلك للتغرير بهم؛ من أجل تحقيق مآرب وأجندة لمن لا يسرهم ما يرون من وحدة بلادنا، وصمود أمننا، وقوة تماسكنا.
كلنا مسؤولون أن تمر مناسبات الوطن بأعلى ما يمكن أن تصل إليه أخلاقنا وما يمليه علينا رقينا؛ فإن هؤلاء الشباب أبناء فلان، وفي المدرسة الفلانية، وينتمون إلى أسرة كذا، وكل هؤلاء مسؤولون عن التثقيف القبلي لتمر المناسبة بسلام بل بإيجابية.

ومضة صامدة
العاطفة التي توجه ذاكرتنا الوطنية لا بد أن تكون صادقة شفافة، حتى لا تخدرنا، بل لتوقظنا، فنحن في سياق عالمي متسارع، لا يعرف التوقف، والموقع الذي يحتله الوطن هو الموقع الذي سيختاره الساسة والمثقفون، ولن يكفي اختيار الموقع، إذا لم ننجح في خططنا الموصلة إليه، ولن يكفي نجاح الخطة إذا لم نبدأ في التنفيذ، حينها سوف يسطع الهدف أمام كل ذي عينين، وسيكون النجاح حليفنا بإذن الله تعالى.



اترك تعليقاً