الانتماءات الشبابية

الانتماء حاجة من حاجات الإنسان، كما أجمع على ذلك علماء النفس، ولذلك فإن الإنسان يسعى إلى صناعة الانتماء أو البحث عنه، تماما مثل صناعته لما يحتاج إليه في حياته أو البحث عنه لامتلاكه.

وتبدأ هذه الحاجة باكرا، منذ أن يلتفت الطفل في حضن أمه إليها في كل لحظاته؛ ليحس بهذا الانتماء الذي يمثل الخط الموازي لوجوده.

ولكن مرحلة (المراهقه) تعد المرحلة الأخطر في حياة الإنسان في هذا الشأن بالذات، يقول العلماء: “في هذه الفترة تتجلى الروح الجماعية أكثر من تجليها في أي وقت، فهو بحاجة الى أن ينتمي إلى جهة أو إلى طريقة أو إلى جماعة”. وأكثر من ذلك، يقول عالم النفس (موريس دبس): “إن أفراد هذه الفئة في سن: (15 ـ 17) يهزهم نداء القداسة أو الشهامة بشدة، ويتمنون لو يكون باستطاعتهم إعادة تشكيل العالم من جديد، ومحو الظلم والسوء منه، وتسييد العدالة فيه. وهذا هو سر كثير من الاعتراضات والانتقادات التي يقومون بها إثر ملاحظاتهم لحالات التجاوز في البيت أو في المجتمع”.

وتفهم هذه الحقيقة العلمية يضعنا أمام مسؤولياتنا تجاه شبابنا، وفتياتنا، في زمن أصبح من السهل جدا الاستئثار بهم من قبل من يجبل منهم ما يشاء من تشكيلات ذات صبغة دينية متطرفة، أو إلحادية مارقة، أو إجرامية تنحو منحى عصابات المخدرات، أو السرقات، أو الدعارة، أو غير ذلك.

والحل هو وضع البديل المغري من الانتماءات بين أيديهم، على أن يكون بديلا نافعا، وليس بديلا باهتا ضاويا لا خير فيه؛ كما حدث في صفوف الشباب مثل: (الدرباوية)، والبنات مثل: (البويات).

ولعل من البدائل الرائعة، تعزيز الانتماء إلى الإسلام؛ بوصفه دينا عظيما حضاريا يرفع من شأن الإنسان الذي ينتمي إليه، وإلى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بوصفه الإنسان الكامل، والقدوة المثلى.

وتعزيز الانتماء إلى أعظم وطن؛ بوصفه مهد الإسلام، وحارس العقيدة، وإلى الأرض التي نبت فيها، وتغذى من خيرها، ووفرت له فيها دولته الأمن والاستقرار، والتعليم والعمل.

ومن البدائل النبيلة، فسح المجال لمزيد من المؤسسات التطوعية، والخيرية، حتى ينتمي كل شاب وكل فتاة إلى مؤسسة أو فريق تطوعي؛ تحت مظلات رسمية، يلبي فيهما جزءا من حاجة الانتماء بشكل بناء، يستوعب تلك الطاقات الوثابة، والروح الطامحة، ويستثمرها استثمارا عاليا.

ومن البدائل، الانتماء إلى مراكز الأحياء، والفرق والأندية الرياضية، مع معالجة مشكلة التعصب الرياضي، والأندية الأدبية الشبابية وليست النخبوية فقط، وإقامة أندية إبداعية تعنى بالجانب العلمي التجريبي فقط، بمختبرات ومعامل، ومراكز علمية تشرف عليها الجامعات إشرافا علميا، ويقبل فيها من هو من خارجها، فالإبداع قد يحدث حتى من الذين طردوا من الجامعة، وأكثر من عشرة من الفائزين بجائزة نوبل كانوا قد طردوا من مدارسهم.

بل نحتاج إلى نواد رقمية بحتة، ففي دراسة حديثة قال (ديفيس): “ما يمكننا قوله هو أن المراهقين يستخدمون وسائل الإعلام الرقمية لتعزيز شعورهم بالانتماء والكشف عن المشاكل الشخصية، وهما نقطتان مهمتان في نمو الهوية”.

إن (الانتماء) ضرورة، فلنحققها لشبابنا وفتياتنا بأمان، فالأبحاث تؤكد بأن “تصور الذات كعضو فى جماعة له أفضلية على التصورات الأخرى للذات، وتلك هى نواة الانتماء”. وأن هناك ارتباطا بين الإحساس بالانتماء وخفض العنف، وأن الانتماء يؤدى إلى زيادة الدافعية في التعلم أو في العمل، وإلى التوافق الوجدانى والصحة النفسية، فالانتماء يحقق الإشباع النفسى لأفراده، وعلينا أن نصنعه، بدلا من أن يتخبط جيلنا الجديد في انتماءات خطرة عليه وعلى دينه ووطنه.

 

@DR_holybi

 

 



اترك تعليقاً