الفتاة السعودية .. لماذا تتأخر عن الزواج ؟

الفتاة السعودية

لماذا تتأخر عن الزواج؟

د.خالد الحليبي

بعيدا عن الرقم المهول، الذي تتداوله عدد من وسائل الإعلام عن عدد المتأخرات عن الزواج في مجتمعنا السعودي، والذي أكدت الدراسة أنه مبالغ فيه، فإن الحقيقة تقول: إن لدينا مشكلة، بل ظاهرة بدأت تتسع حتى نخشى أن تشمل الذكور كذلك.

والسؤال الذي يحاول أن يندس في التراب لا خجلا، ولا تواريا، ولكن ليستقرئ الجذور الحقيقية لهذه القضية، يقول: لماذا يا تُرى هذا التأخر؟

هناك أسباب تعود إلى مواصفات الفتاة الشخصية والمهارية، وأسباب تعود للأسرة نفسها؛ انكفاؤها على نفسها، وعدم توسعها في المصاهرات، أو عضل بناتها، أو ظروفها التي تمنعها من التعجيل بتزويج الفتاة لوجود حاجة ملحة لإبقائها في بيت أهلها، وأسباب تعود إلى قرار الفتاة نفسها، إما بعدم رغبتها في الزواج أصلا؛ لأنها تخاف منه لأسباب نفسية، أو لما تراه من أنموذج سيئ ربما كان في منزلها، أو لكونها اختارت أن تعيش لهدف آخر؛ كإكمال التعليم ما بعد الجامعي والعمل النوعي، حتى نشأ لدينا ما يسمى: (العنوسة الاختيارية(.

وبالاطلاع على دراسة حديثة لـ(مركز رؤية للدراسات الاجتماعية) بعنوان: (أوليات الفتاة السعودية الجامعية) شملت: (1500) فتاة جامعية من خمس مناطق في المملكة العربية السعودية، أظهرت بعض التغيرات الجلية في عادات الزواج في المجتمع السعودي، فبعد أن كانت الأسر السعودية تُزوج بناتها في المرحلة الثانوية، أبرزت الدراسة أن (78.8%) من الفتيات لم يتزوجن بعد، وأن (2.9%) فقط متزوجات، وإذا كان الباحثون رأوا في ذلك ارتباطا بالنظرة الاجتماعية الإيجابية للفتاة المتعلمة، ولارتباط الحصول على الشهادة الجامعية بالوظيفة، فإني أجد في ذلك سببا من أسباب تأخر الفتاة عن الزواج فيما بعد، فإن الزواج فرصة قد تحين مرة واثنتين، وقد لا تعود مرة ثالثة بالميزات نفسها، ولذلك فإني أجد من العقل ألا يردَّ خاطب ارتضت أسرة الفتاة دينه وخلقه وأمانته، حتى وإن كانت في المرحلة الثانوية، لا أستثني أية سنة منها.

إن شيوع تقديم فكرة مواصلة الدراسة الجامعية حتى الانتهاء منها على القبول بالزواج فكرة خطيرة على المجتمع كله، وقد كشفت الدراسة أن (55.6%) من العينة جعلن مواصلة التعليم في الدرجة الأولى من الاهتمام، بينما جاء الزواج وتكوين أسرة في المرحلة الرابعة (31.1%)، والأسوأ في نظري أن تختل الأوليات لدى الفتاة، فتقدم رغبتها في العمل التي بلغت نسبتها في العينة: (34.3)، على رغبتها في الزواج وتكوين الأسرة، على أن اختيار الفتاة لتقديم العمل على الزواج ليس للجانب المالي فحسب، وإنما هو للشعور بقطف ثمرات التعلم والجهد المبذول فيه، ولتحقيق الاستقلالية عن الرجل في النفقة، ولما يحققه العمل للفتاة من مكانة خاصة في مجتمعها المحلي، وبيئتها المحيطة بها، بل ولتحقيق فرص الالتقاء مع الآخرين وبناء الصداقات، وربما لتحقيق الأهداف السامية، والغايات العليا، والرسالات الكريمة، التي تسهم بها المرأة في بناء المجتمع، وتقدم الوطن، ونشر الخير بين الناس.

 

وعلى الرغم من كثرة الحديث عن الأثر الطبي السلبي من زواج الأقارب، فإن نصف العينة اختارت أن يكون زوجها من أقاربها (49.6%)، وهو ما يشير إلى الترابط المجتمعي والأسري في بلادنا والذي لا يزال يقاوم المتغيرات العاصفة، والأجمل من هذا أن تنص الفتيات على أن يكون الزوج متدينا، يراقب الله في السر والعلن، مما يشير إلى اعتقاد الفتاة الجازم بأثر التدين على الاستقرار الأسري، في زمن دبت فيه (الخيانة الزوجية) بين الأنامل الراقصة على الهواتف المحمولة، وألواح الأحرف الرقمية.



اترك تعليقاً