الأسرة في مهب التحديات

الأسرة في مهب التحديات

 

تعيش الأسرة الإنسانية المعاصرة بين إعصارين؛ إذا نجت من الأول فإنها في حاجة إلى جهود غير عادية لتنجو من الآخر؛ أما الأول: فهو تلك المؤتمرات العالمية، والاتفاقات الدولية التي تتجه بقوة إلى تفكيك البنية الأسرية، وزرع تشكيل جديد يقوم على (التفريد) بعد انتهاء عصر الأسرة الممتدة في كثير من الدول، وتزعزع الأسرة النواة المكونة من زوجين وأولاد، والتفريد يقوم على تعزيز الروح الفردية والأنانية والنرجسية لدى الإنسان؛ ليبحث عن وجوده ومتعته وإنجازاته بصورة منفردة عن أسرته ومجموعة الأقران وفريق العمل.

وعزز هذا التوجه فقدان الأسرة قدراتها التي كانت تتمتع بها للحفاظ على كيانها، وإدارة أفرادها بقيادة موحدة، وتحت هدف كبير تنضوي تحته مجموعة من الأهداف، حتى تشظت إلى مجموعة من الأفراد الذين بدأوا يضجرون من قوامة بعضهم على بعض، وولاية بعضهم على بعض.

وساند هذه الظاهرة الخطيرة سيطرة التقنيات الحديثة على أوقات واهتمامات جميع أفراد الأسرة بلا استثناء، كما أسهمت متغيرات العصر المتسارعة في إحداث آثار عميقة في بنية الأسرة ومكوناتها، وحدود علائقها.

ولا شك أن من أبرز أسباب توافر الاستعداد لهذا التغير نحو التفكك ضعف (التقوى) لدى بعض أفرادها، الذي يبدو في مظاهر عديدة من أبرزها: التهاون بأداء الصلاة؛ فهو مؤشر على تداعي أساسات القوى التي تصمد أمام الإغراءات والشهوات والشبهات؛ مما فسح المجال أمام حالات من الإلحاد والانحراف الفكري والجنسي.

وإذا كانت أهم المراحل العمرية في تشكيل الشخصية هي الطفولة، فإن أخطر المراحل في التشكل الاجتماعي هي مرحلة المراهقة (11-21)، والاهتمام بها يعني الاهتمام بثروة الوطن وقوامه، وهي الفترة التي يتم فيها التكوين العلمي، وتظهر فيها المواهب، ولو تأملنا ـ أيضا ـ لوجدنا أنها أكثر سنوات الموت في حوادث السيارات: (17 إلى 21 سنة)، ومنها غالب الذين نفذوا جرائم التفجير والمطلوبين، وحتى جرائم السرقة والمخدرات، و… ولذلك يجب الاهتمام ببنائهم الإيماني والعلمي والمهاري، وتشجيعهم على الانخراط في الأعمال التطوعية الخدمية العامة؛ لاستثمار طاقاتهم، والحفاظ على توجهاتهم.

وعلى الأسرة تهيئة البيت حتى يكون أكثر جاذبية من الاستراحات، وأكثر أنسا من جلسات الأصدقاء، بالحوار العذب، والتشجيع المستمر.

كما على المدرسة والجامعة أن تكسبهم في مناشط خارج الأطر المنهجية، مما يلبي احتياجاتهم، ويستجلب ولاءهم لدينهم ووطنهم ولأسرهم.

وللعمل الأسري المؤسسي دور كبير في المنظومة الأمنية على امتداد الوطن، والدراسات العلمية الرصينة تؤكد أن معظم من يقطنون دور الأحداث ونزلاء السجون هم من أسر مفككة، وأبناء وبنات تعرضوا للعنف الجسدي أو النفسي، أو الجنسي في طفولتهم، وبحسب إحدى الدراسات فإن 60% من الأولاد ذكورا وإناثا مهملون تربويا وإنما يعيشون في بيتوهم للأكل والشرب كإقامة المسافرين في الفنادق، وأن عددا من الشباب والفتيات من ضحايا الطلاق هم نتاج تربية مرتبكة، أو من بيوت طَلقت مسبقا، وأن تأهيل المقبلين على الزواج ذو جدوى تعدت 98% في بعض الدراسات، وأن نسب النجاح في إصلاح ذات البين بلغت 63% في عدد من المكاتب المخصصة لها في عدد من المدن في بلادنا السعودية، وأن الحملات التوعوية تركت أثرا بالغا في التغيير الإيجابي.

لقد آمنت بأن العمل الاجتماعي المركز على الأسرة ينبغي أن ينبع من كل الجهات بلا حدود؛ الحكومية والأهلية والخاصة، وتتعاون فيه كل مصادر التأثير التعليمي والوعظي والإعلامي بكل قنواته ووسائطه، لتتكامل الجهود، وتثمر بإذن الله تعالى.



اترك تعليقاً