الضرتان.. والحرمان

الضرتان.. والحرمان

د. خالد الحليبي

كان يا ما كان في قديم الزمان: «رجل بزَّاز له ثروة يعيش ببغداد، فبينا هو في حانوته أقبلت إليه صبية فالتمست منه شيئًا تشتريه، فبينا هي تحادثه كشفت وجهها في خلال ذلك، فتحيَّر، وقال: قد والله تحيرت مما رأيت. فقالت: ما جئت لأشتري شيئًا، إنما لي أيام أتردد إلى السوق ليقع بقلبي رجل أتزوجه، وقد وقعت أنت بقلبي، ولي مالٌ، فهل لك في التزوج بي؟ فقال لها: لي ابنة عم وهي زوجتي، وقد عاهدتها ألا أُغيرها، ولي منها ولدٌ. فقالت: قد رضيت أن تجيء إليَّ في الأسبوع نوبتين. فرضي، وقام معها، فعقد العقد، ومضى إلى منزلها، فدخل بها.

ثم ذهب إلى منزله، فقال لزوجته: إنَّ بعض أصدقائي قد سألني أن أكون الليلة عنده. ومضى، فبات عندها، وكان يمضي كل يوم بعد الظهر إليها، فبقي على هذا ثمانية أشهر، فأنكرت ابنة عمه أحواله فقالت لجارية لها: إذا خرج فانظري أين يمضي؟ فتبعته الجارية، فجاء إلى الدكان، فلمَّا جاء الظُّهر قام، وتبعته الجارية، وهو لا يدري، إلى أن دخل بيت تلك المرأة، فجاءت الجارية إلى الجيران فسألتهم: لمن هذه الدار؟ فقالوا: لصبيَّة قد تزوجت برجلٍ تاجر بزَّاز. فعادت إلى سيِّدتها، فأخبرتها، فقالت لها: إياك أن يعلم بهذا أحدٌ. ولم تُظهِر لزوجها شيئًا.

فأقام الرجل تمام السنة، ثم مرض، ومات، وخلف ثمانية آلاف دينار، فعمدت المرأة التي هي ابنة عمه إلى ما يستحقه الولد من التركة، وهو سبعة آلاف دينار، فأفردتها وقسمت الألف الباقية نصفين (الثمن حق الزوجة من الإرث)، وتركت النصف في كيس، وقالت للجارية: خذي هذا الكيس واذهبي إلى بيت المرأة، وأعلميها أنَّ الرجل مات، وقد خلف ثمانية آلاف دينار، وقد أخذ الابن سبعة آلاف بحقِّه، وبقيت ألف فقسمتها بيني وبينك، وهذا حقُّك، وسلِّميه إليها، فمضت الجارية، فطرقت عليها الباب ودخلت، وأخبرتها خبر الرجل، وحدثتها بموته، وأعلمتها الحال، فبكت، وفتحت صندوقها، وأخرجت منه رقعة، وقالت للجارية: عودي إلى سيدتك، وسلِّمي عليها عنِّي، وأعلميها أن الرجل طلقني، وكتب لي براءة، ورِّدي عليها هذا المال، فإنِّي ما استحق في تركته شيئًا. [صفة الصفوة لابن الجوزي: 1/300].

قرأت هذه القصة فاحترت بأي منحى منها أُعجب؟!

أمن حرص هذا الزوج على مشاعر زوجته؟! تزوج زواجا شرعيا، وطلق، ولم يروِ لها ما يُتعسها ويُغضبها، وقد ابتُلي بعض نساء زماننا بوقاحة بعض الرجال، الذي يُري زوجته صوره مع عشيقاته بالحرام، ويتحدى مشاعر الأنوثة في طبيعتها.

أم من حرص هذه الزوجة الصالحة على مشاعر زوجها، وتركه وشأنه في أمر شرعي، يمكن أن تستجيب فيه لغيرتها الطبيعية جدا فتغضب وتولول، وتذكره بوعده ألا يغير عليها، ولكنها آثرت سعادته على راحتها، فلم تغير من حالها معه، حتى لم يحسَّ بأنها علمت، وتلك قمة ضبط السلوك، ونجاح نادر في إحكام إدارة المشاعر، وحفظ لكيان الأسرة من التزعزع.

أم أَعجب من تقواها، وحرصها على أن تقاسم ضرتها حصتها من إرث زوجها، استجابة لأمر الله تعالى، لأن الزوجات شريكات في الثمن بوجود الأبناء، وأنا أرى وصايا الجَنَف في مجتمعنا تُلجئ البنت للصمت والرضا القسري بما تُعطى من فُتات الميراث، بل تتنازل لإخوتها أو توكلهم بقوة الحياء أو بقوة الجبروت، بعد أن يكون الـُمورِّث ختم حياته بتخصيص الجزء الأهم من أمواله للذكور بحيلٍ يختار لها أغشية، يمكن أن تُمضى في الدوائر الشرعية؛ كالوقف والهبة والبيع، وهي في الواقع وسائل لحرمان الإناث من الإرث، مع أن فيهن ضعيفات، وربما كان الذكور أغنياء.

يتحدث كثيرون عن حقوق المرأة في مجتمعنا فيما لا يعني المرأة شيء كثير، بينما يصمتون في الحديث عن حقها في الزواج أمام العاضلين، وحقها في الرؤية الشرعية أمام المانعين، وحقها في الإرث أمام الجاحدين، وحقها في حفظ الكرامة الإنسانية أمام المعنفين، وحقها في الحصول على الحب الوالدي والزوجي، والحنان، والتعبير عن مشاعرها أمام الأجلاف المتخشبين.

 

 



اترك تعليقاً