وددت لو أوقف البث .. لأبكي

وددت لو أوقفتُ البثَّ.. لأبكي

 

سمعت أن الكلمة اليابانية (كيوكوماما) تعني: الأم الحريصة على ولدها، التي تبذل قصارى جهدها لتصل به إلى مراتب عليا، إذا كان الأمر كذلك، فإني أعدها كلمة بمقالة، بخطبة، بل هي شهادة فخرية، ودرعٌ تكريمية، ووسام استحقاق تستحقه الأم التي حولت بيئتها التي تقودها إلى بستان جميل تتعهد فيه شتلاتها لتصبح نخلات باسقات زاهيات، وقد أثبتت الأبحاث أن الأم اليابانية كانت ولا تزال سرَّ التقدم العظيم الذي تشهده اليابان.

“شفاء هادي الحامظي” الفتاة الكفيفة التي فاجأتني على الهواء في برنامجي الفضائي: (بوح البنات)، وقد حصلت على البكالوريوس في اللغة العربية، وعلى عدد من الشهادات في عدد من المهارات الدقيقة، وصممت وشاركت في مجموعة من البرامج العامة، سألتها ما الموقف الذي تتذكرينه في الإيثار في حياتك، فبادرت: “والدتي حفظها الله تعالى حينما كنت صغيرة، وأصبت بمرض في العينين، وفي المشفى، قال طبيب العيون: لا يوجد علاج لحالة «شفاء» حتى الآن، [ومعنى ذلك أنها سوف تبقى بلا ضياء في عينيها، ولن ترى حياتها كلها]، فبادرت والدتي وقالت للطبيب: (هل بالإمكان أن أتبرع لها بعيني)، ربما نسيت أمي هذا الحدث، ولكنه لا يزال يرنُّ في أذني إلى الآن، هذا الحدث جعل مني شخصا آخر، فأنا لا أكتفي بالنجاح فقط، بل إنني أريد أن أكون في القمة بين قلة من الناجحين، لترى أمي أنني أرى، بالرغم من أنني لا أبصر، قد لا تعلم أمِّي أني أرى الدنيا من خلال عينيها”.

لم أمتلك عينيَّ ولا مشاعري ولا عواطفي، طوفان اجتاحني وأنا بين أعمدة الكاميرات، وددت لو أُوقف البثَّ المباشر حتى أبكي بحجم هذا العطاء.. هذا الإيثار.. هذا الكرم الذي لا تستطيعه غير الأم.

وانظر كيف تحولت هذه الكلمة الصادقة إلى وقود لا ينفد ما بقيت هذه الفتاة، بل جعلها لا تفكر في النجاح العادي، ولكن في تسنُّم أعلى الدرجات ما استطاعت.

خرجت من الأستديو فلقيني مهندس الصوت؛ ليقص عليَّ حدثا آخر، إنه قصة أمه التي كانت تنتظر طفلا منذ أمد، وقد أسقطت عدة مرات، ومرضت عينها خلال الحمل، وكان العلاج يقتضي أن يسقط الجنين، ولم يبق أمامهم إلا أن ينزعوا عينها أو يموت الطفل، فاختارت حياة جنينها على نور عينها وجمال محياها. تهزني هذه المواقف المتوقدة بالجمال الذي لا نلمس ملامحه بالأنظار، ولكن بالبصيرة النافذة.

ويلتفت الشاعر الفرنسي (لامارتين) إلى لمحة مدهشة حين يقول: “إن الأم تكون عاجزة عن العناية بالعائلة، لكنها مع ذلك تبقى ملجأً نرى فيه الحبَّ وآلافًا من صفحات الحنان”.

وصدق، فقليل الأم كثير، ولو كانت على سرير المرض أو العجز، فإن نظرة واحدة منها تكفي لإشاعة الدفء في حياة ولدها، وفي الأمثال الفنلندية: “قميص من قماش تخيطه الأم يبعث الدفء، وقميص من الصوف تخيطه امرأة غريبة لا يدفئ”. والعرب تقول: “ليست النائحة كالثكلى”.

ما تقوم به الأم: تربية وتعليم وتقويم وشحذ وحب وحنان وتضحية وصدق، ولا حدود لكل ذلك، ولذلك فإن نتائج ما تقوم به يفوق بكثير نتائج ما يقوم به غيرها للشخص نفسه، ولذلك أيضا قال ويليام دلس: إن اليد التي تهز السرير هي اليد التي تحكم العالم”. فما الذين يحكمون العالم اليوم إلا أطفال الأمس، وكانوا في حجور أمهاتهم يرضعون العزة والمجد مع الحليب.

وقفت على مقالة للكاتبة السعودية سارة بنت صالح الشايع، سأعدُّها هدية لكل أم، بالطبع لن أورده هنا، ولكني أسوق قطعة ذهبية منها، حتما سوف تدفع كل أمٍّ حريصة على مستقبل أولادها على أن تبحث عنه وتقرأه كله حرفا حرفا، وتتضلع بمعانيه الرائعة الجميلة، المقال بعنوان: (الأمومة رسالة وأمانة عظيمة)، تقول فيه: “كم أتمنى أن أعيد دور الأمومة في حياتي، فقد مرَّ سريعا.. وهو دور رغم صعوبته لكنه من أجمل فترات العمر لم أكن وقتها أعلم أنها فترة ذهبية في حياتي، وأن أجمل دور نمارسه في الحياة هو أن نُسهم في تكوين إنسان.. لا أدري لماذا لا نعرف قيمة الزمن حتى يصبح ماضيا..”.



اترك تعليقاً