الابتزاز.. من المسؤول؟!

 

الابتزاز.. من المسؤول؟!

 

د. خالد الحليبي

 

رغم اختلاف المختصين حول توصيف الابتزار بين كونه مشكلة أم ظاهرة، إلا أن لغة الأرقام تدلل دلالة عملية على أن المشكلة قد كبرت ونخشى أن تكون قد تحولت إلى ظاهرة تستحق الوقوف عندها، وهو ما تؤكده إحصاءات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي نجحت نجاحا مبهرا في ملاحقة المبتزين وكشفهم ودفع أذاهم عن ضحاياهم، عرفت هذه الجريمة أنه «أسلوب من أساليب الضغط الذي يمارسه المبتز على الضحية مستخدما أسلوب التشهير بها على أوسع نطاق، أو إبلاغ ذوي المرأة زوجا كان أو أبا أو أخا، حتى يجعل الضحية تقع تحت وطأة ضغوط المبتز، ليجبرها على مجاراته وتحقيق رغباته الجسدية أو المادية».

 

ومن المعلوم عرفا أن جرائم الابتزاز تكون من الرجل ضد المرأة فمن النادر أن نجد جريمة ابتزاز معاكسة، إلا أن أسباب ابتزاز الرجل للمرأة تساهم فيها المرأة بشكل كبير، من خلال تساهلها في إقامة العلاقات، ومنح الطرف الآخر فرصة لابتزازها بمنحه صورها، أو السماح له بلقائها، مما يسهل عملية التصوير والتسجيل، وقد ذكر بعض المتابعين بأن ما يقارب 88% من قضايا الابتزاز ترجع إلى الفتيات، علما بأن المبتز يتعرض لعقوبة تصل إلى 500 ألف ريال وبالسجن لمدة لا تزيد على سنة أو بإحدى هاتين العقوبتين.

 

ما تصل المستشارين من حالات، يشيب لها الرأس، من فتيات وقعن في براثن الرذيلة مع الشباب، بدافع من غرائز غير مرشدة، وتربية باتت ضعيفة في زمن الإعلام المكشوف، بما يبثه من مواد إباحية، ومن ضمنها المسلسلات المدبلجة، والأفلام الساقطة والمقاطع القذرة التي تساعد على تأجيج المشاعر بصور سلبية تثير الغرائز، وتفسد القيم والأخلاق الحميدة. يقول الله عز وجل: {إِن الذِين يُحِبُون أن تشِيع الفاحِشةُ فِي الذِين آمنُوا لهُم عذاب ألِيم فِي الدُنيا والآخِرةِ واللهُ يعلمُ وأنتُم لا تعلمُون} [سورة النور 24/19].

 

إن مثل هذه المشكلات ما كانت لتنتشر لو أن كل أسرة قامت بواجب التوعية الوقائية لشبابها وفتياتها بخطورة ما يقوم بعضهم بفعله من اعتداء على المحارم، وما يجره ذلك من ويل وثبور على الأسر والمجتمع.

 

إن مجموعة من الفتيات لعبن بالنار بدافع التجربة، أو بسبب صديقات لهن، فكان المآل هو وقوعهن في حمأة الخطيئة، فوقع كثير منهن في براثن اضطرابات نفسية خطيرة منها الاكتئاب، واضطراب الشخصية، والخوف المرضي الدائم، وبغض الحياة، حتى أصبحن يبحثن عن الموت فلا يجدنه، وهنا يتتابع الفشل الدراسي، والفشل الاجتماعي، والفشل النفسي.

 

وإن أبرز سبب لانحرافهن ووقوعهن ضحية للابتزاز الضغوط النفسية المنزلية، حيث لا تجد الفتاة متنفسا لها في داخل دارها، فتبحث عمن يستمع إليها في خارجه، أو حتى من تخرج معه، ثم تجد العقوبة الشديدة التي قد تصل إلى القتل من البيئة التي تسببت في انحرافها، بل إن الفتاة قد ترى في الوقت نفسه من انحرف بها أول مرة يعيش منعما ومحترما ومقدرا، وهي لا تستطيع أن تنبس ببنت شفة، بل تلعق القهر والمهانة كل يوم، خوفا من أهلها أو منه.

 

وهنا تتفاقم العوائد النفسية الخطيرة على الفتاة بعد جريمتها، التي قد تصل إلى درجة لصوق النظرة السوداوية في عينيها، حتى لا ترى ما يستحق العيش من أجله، وتفقد ثقتها في الرجال، حتى لا تجد رجلا يستحق أن تقترن به، بل تعتقد بأن الحياة كلها ذئاب مفترسون، وبحدوث الاختلاء لمرة واحدة يكفي أن يجعلها تدخل في دوامة من القلق الحاد على مستقبلها المهدد بالفضيحة عند الزواج، فتبدأ برفض الزواج وعندها سيتساءل الناس والأهل لماذا؟ فإذا بها تتلقى مزيدا من النظرات الاتهامية المترددة المضطربة.

 

إن بعض هؤلاء البنات كن ضحايا لصديقات فاسدات أخذن بأيديهن الفتنة والرذيلة، فإذا وقعن أفقن، فإذا الواحدة منهن قد فقدت ما لا يمكن تعويضه، فتنهار، وتتراجع صحتها النفسية، وتتبعها صحتها العضوية، وتتبدل الحياة في وجهها، وكان يمكن أن تتوقى هذا كله قبل أن تقع.

 

لقد سجل مركز مختص في إحدى الدول العربية أكثر من عشرين ألف فتاة تعرضن للابتزاز وذلك خلال ستة أشهر منذ انطلاقة مشروع مختص بالابتزاز بواقع 100 اتصال يوميا، وكان أكثر أنواع الابتزاز هو الابتزاز الجنسي بنسبة 45% ثم المادي والنفسي، وإن ضحية الابتزاز تقع فيه بدون تخطيط للعلاقة، كما أن بعض الضحايا يجدون أنفسهم في مواقع عامة أو خاصة لناس مجهولين قد تدار من قبل أناس عاطلين أو مجهولين أو صائدين.

 

وكان من أبرز الأسباب: البعد عن الله وضعف الوازع الديني، والاستخدام السلبي لوسائل التقنية والاتصال الخادمات، والصديقات وجارات السوء ودورهن في حفلات السهر وهروب الفتيات، وابتعاث الفتيات للخارج وانغماسهن في الحياة الإباحية في تلك دول، والاختلاط في الأماكن العامة وعند مراجعة الدوائر الحكومية والخيرية، والاضطراب النفسي، والتغير الاجتماعي نتيجة المستجدات في المجتمع السعودي، وظهور السلوك الاستهلاكي المتمثل في وسائل التقنية غير الضرورية، وضعف الرقابة الأسرية والمتابعة للأبناء، وضعف علاقات الود والعاطفة بين أفراد الأسرة، وغياب لغة الحوار والتفاهم، والفراغ وغياب الأهداف لدى الشباب، وقلة المشاريع التنموية والترفيهية المعدة لاستثمار الطاقات الشابة، وملء أوقات فراغهم.

 

فإلى مزيد من المشروعات البناتية التنموية للوقاية قبل وقوع الكارثة.



اترك تعليقاً