عشرون طريقة لغرس الرقابة الذاتية (1)

عشرون طريقة لغرس الرقابة الذاتية )1(

د. خالد الحليبي

إذا كناـ نحن المربين والمربيات- نحتاج إلى أكثر من عشرين سببا لإنقاذ جيلنا الجديد من آفات بعض الخلوات الموبوءة التي قد تتسبب في ضياع دينهم ودنياهم، فإننا نحن أحوج منهم إلى ذلك، فالمؤثرات واحدة، والطبيعة البشرية واحدة، والاستجابة واحدة، ولذلك أن يكون أولا: القدوة الحسنة؛ فإن كل ما بناه التوجيه والإرشاد القولي سوف ينهدُّ فورا حين يرى الطفل أو المراهق مربيه في مشهد مخالف، أو موقف مباين للقيم التي تضمنها.

ثانيا: تراكم التربية؛ فلن نتصورـ أبداـ أن يحصد أحدنا ثمرةً بحجم «الرقابة الذاتية» بمجرد زخم لحظة عابرة، أو تأثير موقف مبتور عن تاريخ من التربية، وأساليبها الحازمة، المبنية على الحب والعلاقة الرائعة، فمن فرَّطَ في التربية الجادة، أو استخدم أساليب القمع أو التسيب، فلا يسأل عن نفس سوية، تقدر ذاتها، وتحترم ممارساتها، وتحاسب نفسها.

ثالثا: التأصيل العقدي؛ فإذا كانت التربية قضية «إنسانية» يُعنى بها جميع البشر، فإن المسلم يمتح فيها من بحر «الإيمان» العميق، ومن قيم «الإسلام» الراسخة، ومن فضاء «الإحسان» الواسع؛ الذي لا يتم إلا إذا راقب فيه المسلم ربه رقابة ذاتية، كأنه يراه، وعظمه وأجله وقدره؛ فهو القادر على أن يعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء، وهو ما ربى عليه لقمان ابنه، إذ قال له: «يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» [لقمان:16].

رابعا: التعويد على الأوبة بعد الجنوح، والندم بعد الخطيئة، والتوبة بعد المعصية، «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» [آل عمران: 135]. مما يجعل حالة الخلل قلقة غير مستقرة ولا مسيطرة، وبهذا لا يترسخ الانحراف.

خامسا: القصص؛ فإن المشاهد التي يقصها الوالدان، أو المربون، في حالة سرد هادئ مؤثر، تنساب إلى داخل النفس فتحركها، وإلى المخيلة فتملأ جنباتها بصور العفاف والطهر والإباء والثبات أمام الإغراء، ومن ذلك قصة يوسف مع امرأة العزيز، و«الشاب المِسْكي»، و«بائعة اللبن»، وقصة ابن عمر رضي الله عنهما مع الغلام في الصحراء، حين طلب منه أن يبيع له واحدة من غنم سيده، ويتذرع له بأن الذئب أكلها، فصاح الغلام: أين الله؟!

سادسا: ربط التوفيق بالطاعة، وعدم التوفيق بالمعصية، «يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». وحين جلس الإمام الشافعي في بدء طلبه العلم بين يدي الإمام مالك رحمهما الله، ورأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه، قال له: «إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية».

سابعا: يجب أن ننبه المتربي ولو بالإيحاء على ألا يجرب الاستجابة لشهوة جامحة، ولا يقترب منها، فإن القلب يتورط فيها، والحواس تتعلق بها، وتتبعها المتعة، وهنا يحدث الإدمان القاتل، حيث لا يهنأ صاحبها بها، ولا حتى بالسويّ منها.

ثامنا: طهر التاريخ الشخصي؛ فما أجمل وما أنبل وما أزكى أن يبقى تاريخ الإنسان نقيا لم تلوثه نزوة، ولم تجنح به رغبة، والحفاظ على هذا التاريخ الناصع مدى الحياة.

تاسعا: التدريب على طرد الخاطر؛ فمبدأ الأفعال – كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله: «الخواطر، ثم الخاطر يحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، والعزم يحرك النية، والنية تحرك الأعضاء». فيكون العمل التربوي على تقوية القدرة على طرد الخاطر قبل أن يتحول إلى رغبة.

عاشرا: التنبيه اليومي بطرق متعددة، أترك للقارئ أن يبتكرها، ومنها: «إن الله يراك»، «أنت رائع لأنك تحفظ حواسك من السوء».

 

أكتفي بذلك، وفي المقالة القادمة أكمل العشرين، مذكرا بأن المبادرة إلى اتخاذ الأسباب للوقاية من آفات الخلوات، خير من معالجاتها بعد أن تقع لا قدر الله.



اترك تعليقاً