وهاج الموج فمن سيمسك بالزمام؟!

أي عين لا تفيض أسى وحسرة على ما يحدث في بلاد العرب والمسلمين اليوم؟ أي قلب لا يتقطع كمدا وحزنا على أنهار الدم في الأحواز والعراق وسوريا وفلسطين وليبيا واليمن وغيرها من بلاد العرب والمسلمين؟!

تعددت يا منى قلبي مصائبنا، وأقفلت بابنا المفتوح إقفالا، كنا نعالج جرحا واحدا فغدت، جراحنا اليوم ألوانا وأشكالا.. هكذا بكى الشاعر العشماوي قبل عقود، فماذا سيقول الآن؟ وهو يرمق طيور الأمان تغادر الأعشاش، ومنجل الجوع يضرب في بطون أطفال الصومال، ويمد نصله الكالح إلى بقية دول القرن الإفريقي!

حتى الألم لم تعد أمتي تحس به، حتى صدق فيها قول شاعر الأحساء في بيته الذي اقتلعه علماء زمانه من عينيته الرائعة: من يستطيع يري ويسمع أمة، مختومة الأبصار والأسماع، الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف آل الشيخ مبارك المتوفى قبل قرن من الزمان عالم شرعي يعلم بأن هذه ليست صفات أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي تعيش روح الجسد الواحد، ولا يكتمل إيمان فرد فيها حتى يهتم بأمور المسلمين في كل مكان، ولكنه يتحدث عن أمة عايشها، ابتعدت عن هذه الروح، فهي مقطعة الأوصال، وفي كل وصلة طعنة لا تؤلم غيرها، وقد قلت يوما في حوار شجي معها: لا تندُبَنَّ بحرفٍ واحدٍ مِزقًا، سَمَّيتَها (أمةً)، فالدَّهْرُ قد دارا.

من يقرأ لي أو يسمع أو يشاهد فإنه سيفتقد الأنين والنواح، فقد تركته لعهد الصبا والشباب، ولكني أعود إليه اليوم لا لأني فقدت قارورة الأمل، ولا سوء ظن بربي .. معاذ الله، ولكن لأني لا أستطيع أن أصدق بأن يحرق الحاكم شعبه، ولم أكن أظن بأن يمكن أن يقبل إنسان له قلب أن يتمزق البلد الذي كان يدعي بأنه يعيش من أجله، وليخدمه، وانه كان مستعدا للموت دون شعبه، ثم يستعير المرتزقة من كل أس وجنس ليبيدوه، لم أكن أتوقع أن تحرق السجون على من عانوا من ظلماتها ومراراتها، لم أكن أحسب بأن أعيش حتى أرى رجل الجيش يسحق المواطن ويصعد فوق ظهره ويدوس حرَّ وجهه.

كل ذلك شيء من المأساة، والمأساة الأكبر هو وفاة شيء اسمه الأمة العربية، بعد أن توفيت الأمة الإسلامية (بوصفها كيانا قادرا على الفعل) قبل زمن، هل يعقل أن تتشوف الشعوب العربية إلى الدول التي كانت تستعمرها يوما ما وتسحلها في الشوارع؟ أين العهود والمواثيق وما يسمى منظمة المؤتمر الإسلامي، وما يطلق عليه جامعة الدول العربية؟ ما بال النبل الإسلامي الوضاء قد خبا وانكفأ؟ أين الغيرة العربية؟ كيف وصل اليأس بالعربي أن يفقد الثقة في أمته تماما ويلجأ مباشرة إلى من يحملون السلاح إلى بلاده مصحوبا بخطط إستراتيجية لا تخلو ـ ولا يمكن أن تخلو ـ من النظر إلى مآلات هذه الثورات الفائرة، ومدى ولائها لها في المستقبل، بل لا يمكن أن ندفع عن أنفسنا سوء الظن في العمليات التي تقوم بها فتدمر البنية التحتية للبلاد بأية حجة لتستفيد شركاتها وقت التعمير، ولماذا تتدخل في ليبيا عسكريا وتحجم عن اليمن؟ ولماذا تهدد سوريا وتسكت عن غيرها؟ وما هذه الوقفة التاريخية في تقسيم السودان؟ وعلى من سيكون الدور في التقسيم؟ أسئلة تلعق من دماء الأبرياء والشهداء الذين يتساقطون على موائدهم قتلى وهم في بيوتهم بأيدي حماتهم أو إخوانهم أو عشيرتهم!!

هاجت الشعوب وماجت فما الذي سوف يهدئها؟

انكسرت الحواجز وتقصفت كراسي الهيبة فمن الذي سوف يرجع هيبتها؟

اللهم أمن بلاد العرب والمسلمين وارفع عنها أيدي المجرمين واجعل العاقبة خيرا.



اترك تعليقاً