بل الأحساء.. الأكثر وعيا..

فاجأ تقرير لوزارة الشؤون الاجتماعية بعض قراء الصحف نشر يوم الإثنين المنصرم (10/8/1432هـ)، بأن الأحساء (خلال عام: 1430-1431هـ) تأتي في المرتبة الثانية في حالات العنف الأسري (13.58، وهي مع العاصمة الرياض (13.85)، وتبقى الأولى دائما منطقة مكة المكرمة (15.5)؛ لأسباب خاصة بديموغرافية المنطقة، أو أسباب أخرى، ولا غرابة أن تأتي الرياض في المرتبة الثانية؛ بسبب زيادة عدد السكان؛ فالقياس النسبي بين مليون (سكان الأحساء) إلى خمسة ملايين (سكان الرياض)، تظل الأحساء أعلى نسبة من الرياض بكثير، وربما أعلى من مكة أيضا!! فلماذا هذا الارتفاع؟

مجتمع الأحساء مجتمع هادئ، لا يميل إلى الصراع، قريب سهل، لين العراك، يتمتع بالسماحة والطُّمأنينة، ولا يذهب بعيدا حتى في اختلافه العائلي، فنسبة النجاح في معظم قضايا الأسرة تصل إلى 70% تقريبا، وفي بعضها إلى 100%، وهو ما تشهد به سجلات مركز التنمية الأسرية بالأحساء.

والعنف الأسري مرتبط بعدد من المقدمات؛ التي ينشأ عنها ويتفاقم، من أبرزها الجهل بأساليب التربية، أو العلاقات الزوجية، والاتجاه إلى الصدام بدلا من الحوار، ومجتمع الأحساء تشيع فيه الثقافة الأسرية بشكل منظم، وتتسع دوائرها منذ الطفولة إلى الشباب إلى الرشد والكهولة إلى الشيخوخة، والإرشاد الأسري فيه يحتل المنزلة الأولى في المملكة، وتشيع بينهم الإشادة بقصص الصلح وتذاكر أساليبه، وليس أسهل من تنازل الأحسائي عن حقه من أجل أرحامه.

والمتأمل في تشكيلات السكان من عدة زوايا، يلحظ فيها اختلافا، وحين يبتعد قليلا بعدسته، يفاجأ بشكل من التعايش المجتمعي والعقائدي منقطع النظير في المناطق المشابهة لها في التركيبة السكانية؛ مما يشير أيضا إلى الثقافة العالية التي يتمتع بها أهالي الأحساء التي تساعدهم على فهم المخالفين، والقدرة على الحياة معهم، دون ذوبان.

إن ذلك يؤكد أن الأحسائي ليس عدائيا، ولا يعير من ينادي بها أي تقدير، بل ما أقل ما تنشب مشاجرة بين شباب في الشارع، فهل يمكن أن يكون الإنسان أليفا مألوفا خارج بيته، ويكون شرسا في تعامله مع أهله وفلذات كبده؟

والسؤال الأكثر قربا من الموضوع: هل هناك ثقافة أسرية تقدس الضرب، وتدعم اتجاه العنف في التعامل مع الولد أو الزوجة (العنصر الأكثر تلقيا للعنف في العالم)؟

قد توجد الثقافة ويوجد الدعم في بعض البيئات المحلية المرتبطة ببيئات غير متحضرة، ولكنه لا يمثل ثقافة عامة في بلد عريق في العلم والحضارة.

حقا إن أسبابا جدَّت على الحياة العامة، وأثرت في ترابط الأسرة ومدى قوة علاقاتها، كعمل المرأة، واتساع دوائر الإعلام، ووسائل الاتصال الحديثة، والشبكة العالمية، وسهولة السفر، وكلها أسباب تقدمية، ولكنها تستخدم بطرق رديئة فتترك أثرا سلبيا، مما يثير النزاع، الذي يصل إلى الانتقام الشخصي والاعتداء الجسدي والتشفي داخل سور البيت، الذي يعده بعضهم سياجا حاميا من يد العدالة، وخاصة إذا كان المعتدي هو سيد البيت، ولكن هذه المؤثرات موجودة في جميع المناطق، والتفاوت أصبح قليلا، فلماذا الأحساء (الأكثر) بالنظر إلى النسبة بين عدد حالات العنف الأسري وعدد السكان في بقية مناطق المملكة، بما فيها منطقة مكة؟

السبب الحقيقي ـ فيما أتصور ـ هو زيادة الوعي لدى أفراد الأسرة في الأحساء بأهمية الإبلاغ عن مثل هذه الحالات، ومدى اقتناعهم بوجود جهات فاعلة وقادرة على التعامل الأمثل معها، والتقرير الوزاري كان دقيقا ومنصفا حين قال: (الأكثر تبليغا)، وليس (الأكثر حدوثا)، وأنا أقول: إن (الأكثر) في هذا التقرير هو: (الأكثر وعيا أسريا أيضا).



اترك تعليقاً