مواجهة .. مع د. خالد بن سعود الحليبي

واجهه / أ. عبد الله الخضير .

الخميس / إلى أي مدى وصل المشهد الثقافي في الأحساء ؟

الأدب في الأحساء ذو طبيعة تطورية مستمرة ، تسنده أجواء البيئة المثقفة، ورقة المتلقين ، ودوافع المتغيرات التي لم تكف عن هذا المجتمع منذ عرف . ولكن هذا التطور بطيء بالنسبة لغيره بأسباب يطول ذكرها ، ومع ذلك فقد استطاع هذا المجتمع المعزول عن الأضواء أن يقدم للعربية أعلاما حفروا أسماءهم بأظافرهم في ذاكرة التاريخ الأدبي الحديث . ومن خلال متابعاتي المباشرة لما يسمى المشهد الثقافي المعاصر في الأحساء، فإن مظاهر التطور شملت جميع مناحيه ، وتلك نتيجة طبيعية لتلك الظروف ؛ فقد برز عدد كبير من الشعراء والأدباء والمثقفين ، يمتازون عمن سبقهم بالإبداع والتحليق في إنتاجهم ، وقد رأينا مجموعة منهم يتسنمون كثيرا من المنابر الصحفية والثقافية والأدبية. بل وينوعون نتاجهم حسب ألوان الأدب المختلفة ؛ حتى أصبح لدينا لكل فن أعلاما نفاخر بهم ، ونعتز بعطائهم ، والمراقب لحركة النشر في العشرين سنة الماضية سيجد أن مثقفي الأحساء أصدروا ضعف ما صدر عن الأحساء في كل القرون الماضية ، وتلك حقيقة لا مماراة فيها ولا مبالغة .

على أن بيئتنا بطبيعتها تغمر صاحبها ، أو إنها بعيدة عن مراكز الإعلام بجميع أصنافه، ومن طبيعة أهل البلد أنهم يغمطون أنفسهم حقها بتواضع غير محمود ، وبتأخير نشر نتاجهم ، وهذا ما أخر الأحساء عن المشهد الثقافي العام في المملكة أو في البلاد العربية .

.الخميس / مؤلفك عن الشيخ أحمد بن علي آل الشيخ مبارك نسمع عنه منذ زمن ولم نره ، ونحن نتوقع فيه ما يتناسب مع صلتك الوثيقة والخاصة بالشيخ

كنت قد بدأت فيه وأنا مشغول بدراستي العليا ، وهو الآن من أوليات أعمالي الثقافية ، ولعل في تأخره خيرا ، حيث أضفت إليه مجموعة من الملاحق من أعمال الشيخ الأدبية التي لم تطبع حتى الآن . وأريد أن أوضح طبيعة هذا المؤلف بأنه تجميعي  عما قيل في الشيخ من معارفه ، من أعلام الفكر والأدب والثقافة ؛ من عواطف ، وتراجم، ودراسات نقدية ، وقصائد شعرية ، إلى جانب سيرته الذاتية بقلمه . وأما عن صلتي بالشيخ فهو ما أتمنى أن تتاح لي الفرصة بتسجيله إما في هذا المؤلف أو في مؤلف منفصل عنه .

الخميس / الحداثيون مخلصون في منهجهم ؛ لأنهم تفرغوا لخدمته ، بينما أصبح الصوت المحافظ على التراث نادرا .. لماذا ؟

أما الجانب الخبري من هذا السؤال فهو حق ، وهكذا شأن أصحاب المباديء ، بصرف النظر عن قربها من الصواب أو بعدها عنه . وهو حقا ما ينقص كثيرا من المختصين في الأدب المحافظ أو الإسلامي خصوصا ، فهم مشغولون بأمور شتى منها الأدب ؛ مما يقلل من فرصة إبداعهم فيه .

وأما الجانب الآخر فهو مغالطة يروج لها بعض الحداثيين ؛ ليوهموا المتلقين بها . والحق أن المحافظين على التراث صنفان ؛ الأول من رضي بالتراث وحده وقتله بعزله عن الحياة المعاصرة ، وظن أنه بالعض عليه دون الالتفات إلى ما يموج حوله من بحر المعاصرة ظن أنه على جادة الصواب ، وأنه في خندق من خنادق الجهاد لمحافظته على لغة القرآن ، وقد حسنت نيته ولكنه أخطأ ، فإن نتيجة عمله أن يبقى وحده منزويا حتى ينتهي جيله ، ويضمر أثره حتى يتلاشى .

وأما الصنف الآخر فهو الذي يدافع عن التراث ، ولا يقف عنده ، بل يحتويه ، ويؤصل ثقافته به ، ثم ينطلق إلى آفاق المعاصرة بجناحين طليقين ، لا يردهما شيء . ولا مانع أبدا من الإفادة من جميع الاتجاهات والمدارس والمذاهب النقدية بلا اختيار ، ولكن دون الانصهار في واحد منها . فإن الأديب القوي هو الذي يتأبى على الاندماج التام في أي اتجاه ، بل إنه ليحير الدارسين التقليديين ، الذين يحرصون على تصنيف الأدباء والشعراء ، ويرون ذلك نجاحا لهم يتشدقون به . والواقع أن لهذا الصنف الأخير أصواتا عالية في المجامع والأندية الأدبية ، ولكن لا يمكن أن يحصلوا على الاعتراف بهم من قبل الحداثيين إلا المنصف منهم ، ولا شك أن فيهم منصفين .

الخميس / يتهمك قراؤك بأنك تعيش مرحلة من فقدان الاختصاص الأدبي ، بسبب التشتت الذهني بكثرة الأعباء !

أولا أنا أشكر هؤلاء الذين يتابعون اهتماماتي ، ويشرفونني بقراءة ما أكتب . وثانيا إنما أعبائي وانشغالاتي في خدمة الأدب ، فأنا أعلم الأدب في الجامعة ، وأدرب الناشئة على كتابته في اللجنة الأدبية في الكلية ، وأخدم محبيه من خلال تمثيلي للنادي الأدبي في الأحساء ، وتمثيلي لمكتب الرياض لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في المنطقة الشرقية ، وتنسيقي لبرنامج أحدية الشيخ أحمد بن علي آل الشيخ مبارك الأدبية ، ومن خلال كتابتي الصحفية وعملي فيها ، ومن خلال الخطابة ؛ التي هي ضرب من الأدب كما تعلم ، ومن خلال كتابتي الشعرية .. ولا أظن أن يوما يمر بي يخلو من عمل أدبي .. هذه هي أعبائي .. كما ترى أدبية المنحى ، فما هو الأدب الذي يريدون أن أتفرغ له ؟

إذا كانوا يقصدون أن ينصب اهتمامي على الأدب المحض وحده لا شريك له ، أي من باب الفن للفن فهذا محال ، فما تعلمت الأدب واختصصت فيه وعشقته لكي أعبده ، لا .. ، ولكن لأسخره لخدمة ديني ، ورفعة أمتي ، وبناء وطني ، والإسهام الفاعل في إصلاح مجتمعي .

الشاعر .. يا أخي .. عين مجتمعه ، وروح وطنه ، وقلب كل فرد من أفراد أمته ، فليس صحيحا أن يعيش حياته في فلسفات تتغير كل يوم وليلة ، ولا أن يقتل أوقاته في أطروحات كفقاعات الصابون ، كل هدفها الإثارة ، ولفت أنظار المثقفين ، وإشغالهم بها سلبا وإيجابا ، ثم يعلن بعد ذلك تخليه عنها إلى غيرها ؛ كعارضات الأزياء ، تخلع الموضة الماضية لتلبس أخرى تغري بها النظارة .

الشاعر .. والناقد .. مهمته أن يغزل مادة الأدب الخام ؛ لتكون منديلا يمسح به دموع المحرومين ، وراية تخفق في أيدي الذائدين عن حرمات قومه ، وثوبا زاهيا يشارك به في أفراح مجتمعه ، وجمرا يذروه في عيون المغتصبين والظالمين ..

الخميس / أين تحركك المضاد للأدب الآخر ؟

في الجانب النقدي الأدبي .. طبيعتي مسالمة ، ولا أحب أن أصنع لي أعداء، بل أحب أن أتواصل مع الجميع ؛ لكي أستفيد منهم .. وربما كان التأثير على الآخر بهذا الأسلوب أكثر إيجابية ووصولا إلى الهدف ، من سلوك مسلك المعارك الأدبية الخالية من أدب الحوار . وإذا شئت فقل : إني مقصر في هذا المجال الذي برع فيه غيري ، وكفاني قتاله .

الخميس / الاتجاه إلى المحفلية والمناسبة قد تأخذك من الأطروحات الثقافية ؟

المحفلية هي التي تستدعي وجودي ، ولست أركض إليها ، ولا أجد أية ممانعة أو غضاضة من المشاركة فيها إذا دعيت ما دامت مناسبة لشخصيتي ، بل هي نوع من استثمار الأدب في خدمة الوطن والمجتمع ، والتواجد في الساحة العامة يثري الأديب من الناحية الاجتماعية ، ولا يضره ما دامت المحفلية لا تستجره إلى ما لا يؤمن به .

الخميس / توجهك إلى كتابة المقالة هل يغني عن توظيف الشعر في الجانب الإصلاحي .

المقالة أقدر على التكيف مع أجواء الإصلاح الاجتماعي الذي أجد نفسي فيه  ، وأما الشعر فلم ينقطع نهره ، ولم تجف شعابه ، بل لا يزال يجري بتجاربي التي تبلغ درجة من الانفعال لا يكفي النثر للتعبير عنها . وليس الشعر نظما يكتب حسب الرغبة ، وحسب الموضوع المراد مناقشته ، فذلك شأن النثر ، وإنما هو فيض الوجدان ، يفرض نفسه إذا شاء ، ويتمنع إذا شاء .

الخميس / منذ عام 1413هـ لم تخرج ديوانا جديدا بعد ( قلبي بين يديك ) لماذا ؟

انتهيت للتو من إعداد ديوان جديد ، أرجو أن يرى النور قريبا بإذن الله .

الخميس / أين جانب النقد الأدبي في مقالاتك ؟

لي عشرات المقالات النقدية التي نشرتها في كثير من الصحف ، ولكن يبدو أنك تعني زاويتي الأسبوعية في هذه الجريدة الموقرة ، هذه الزاوية تقع في صفحة الرأي ، وهي صفحة غير مختصة أدبيا ، بل مفتوحة لجميع القراء ، والجانبان الاجتماعي والسياسي هما الأهم لدى معظمهم ، وأما الأطروحات النقدية والأدبية فمحلها الملاحق الثقافية ، والمجلات المختصة . وقد نشرت فيها وحتى في هذه الزاوية عددا من المقالات النقدية حول دواوين وقضايا نقدية مختلفة .

الخميس / هناك من يقول: إن مقالتك متأثرة بجو الخطابة .. ماذا تقول ؟

لا بأس .. فأصناف الأدب تتناص ، ويأخذ بعضها من بعض ، مع بقاء أطر محددة لكل فن . ولا عجب أن أتأثر بالخطابة وأنا أمارسها ، ولكن ما أكتبه في زاويتي مقالة بمفهومها الدقيق المعاصر ، كما عرفها أدباء الشرق والغرب ، وهي مادتي التي أدرِّسها في الجامعة ، وأمارسها منذ أكثر من عشرين عاما .

الخميس / كتيباتك الإرشادية لا تمثل أكاديميتك ؟

صدقت ، فهي موجهة لعموم الناس ، وليست لفئة الأكاديميين ، ولكل مقام مقال ، وأصولها خطب منبرية ، ولكنها مكتوبة بأسلوب أدبي مسهل ، أردت منه تغيير الأسلوب الوعظي الضعيف الذي يخطب به كثير من خطبائنا ، وأظن أنني أسهمت في هذا الاتجاه ، ورأيت له أثرا ولله الحمد والمنة . وأما الأكاديمية فهي في البحوث الجامعية التي سوف تصدر قريبا بإذن الله .

الخميس / لماذا لم تخرج رسالة الماجستير حتى الآن في كتاب ، مع أهميتها في التاريخ الأدبي الأحسائي المعاصر ؟

تفضل النادي الأدبي في المنطقة الشرقية بطباعتها في كتاب يحمل اسم  ( الشعر في الأحساء في العصر الحديث 1301ـ 1400هـ ) ، وسوف تصدر قريبا   إن شاء الله ، ولا شك أنها تأخرت كثيرا بسبب انشغالي بالدكتوراه .

الخميس / ما رأيك في المجالس الأدبية في الأحساء ؟

لهذه المجالس في الأحساء فضل كبير في تحريك دفة الأدب ، وإتاحة الفرصة أمام المثقفين لتداول أطروحاتهم ، وتناول إبداعاتهم بالنقد والتحليل ، ورعاية ناشئتهم ، وقد عوضت هذه المجالس الأحساء عن فقدها لناد أدبي يخصها ، أو مركز ثقافي . قدمت أدباء ، ورعت مواهب ، وأبرزت الصوت الأدبي الأحسائي في سائر أنحاء المملكة ، عن طريق التغطيات الصحفية ، واستضافة كبار الأدباء ، حتى عرف الأدب في هذه البلاد بها، فللقائمين عليها كل الشكر والتقدير . وأهمس هنا للناقمين عليها .. أن :

أقلوا عليهم لا أبا لأبـيـكـم           من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

ولا نطالب هذه الصالونات بما نطالب به الجهات الرسمية ذات الإمكانات الكبيرة ، فإمكانات هذه المجالس محدودة ، وليس لأصحابها منا غير الشكر والدعاء بالتوفيق والنجاح على ما يقومون به من تضحيات .

كما أتمنى من بعض القائمين على هذه الصوالين ، ولم ينجحوا في استمرارها بقوة ، بعد تجربة كافية ، أن يوفروا جهدهم لجمع شمل الأدباء في الصوالين التي أثبتت نجاحها ، فليس القضية قضية أسماء وعدد ، وإنما خدمة الثقافة والعلم والأدب ، فبدلا من وجود ستة صوالين أو أكثر كما هو الحال الآن ، يكفي صالونان فقط ، على أن يستمرا بقوة ونشاط ، ويتحقق منهما المراد بنمو الأدب في أرض الأدب والشعر .

الخميس / لو فتح ناد أدبي ، أو مركز ثقافي في الأحساء ، فهل المثقف في الأحساء قادر على استيعابه ؟

بل كان يجب أن تسأل : هل يستطيع هذا النادي أو ذلك المركز على استيعاب كل هذه الثقافة والأدب والعلم التي تموج بحارها في الأحساء ؟ إنني أتوقع للنادي المرتقب نجاحا منقطع النظير بإذن الله .

الخميس / متى يتحرر الأدب الإسلامي من الانغلاقية ، فالنصوص التي تتحدث عن الأمة وآلامها لا نجدها إلا في الملاحق الإسلامية ، أو في مجلة الأدب الإسلامي ؟

طرحت هذا التساؤل على عدد من الأدباء الإسلاميين ، ولم أجد له جوابا   إلا أنهم يشكون من رفض الصحف نشر نتاجهم ، أو تحويله إلى مقصورات الفكر الإسلامي البائسة في مادتها وإخراجها ، لتبقى الملاحق الثقافية أو الصفحات الثقافية حكرا على أدب التغريب وحده ، وهذه شللية مريرة تشكو منها أكثر الصحف وبعض الأندية الأدبية منذ زمن طويل . فالأدباء الإسلاميون لم يغلقوا على أنفسهم الأبواب ، ولم يعتزلوا الحياة الأدبية ، ولكن العزلة فرضت عليهم . ولذلك فإني أحيل هذا السؤال إلى رؤساء ومدراء التحرير ، ومسؤولي الملاحق الثقافية .

الخميس / أين دور رابطة الأدب الإسلامي في المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية ؟

دورها لا يكاد يذكر حاليا ؛ لأنها لا تزال هنا في طور التخلق ، فهي تتمثل في عدد جيد من الأدباء ، لهم اتصال مباشر بمكتب الرياض الذي يرأسه الدكتور حسن الهويمل ، ويشاركون في بعض الفعاليات التي يقيمها في الرياض . ونحن موعودون بتواجد أكثر فاعلية في المستقبل بإذن الله .

الخميس /هناك من يقول لو ركز الدكتور خالد على تخصصه لرأينا أمورا بارعة ؟

هذا من حسن ظنه ، وأتمنى أن يحدث ذلك مستقبلا ، ولكني حاليا ذكرت لك أنني لا أومن بوضع الطاقات كلها في سلة واحدة ، فمن شكر الله عليها أن تسخر كل منها في الوضع الذي ينمو فيه ويينع ثمره ، وينتشر خيره على فئات متعددة .

الخميس / وماذا عن دور النادي الأدبي في الأحساء الذي تقوم بتمثيله ؟

النادي الأدبي في الشرقية قدم أنشطة متنوعة في الأحساء ، واستضاف أدباءها في قاعته ، ومن قريب كان رئيس النادي يهاتفني لأقوم بتنسيق فعالية أدبية جديدة قريبة بإذن الله ، وقد طبع النادي لعدد من أدباء المحافظة وشعرائها مجموعة من مؤلفاتهم، ومع كل ذلك فنحن دائما نطمع في المزيد ، ونقول : إن الأحساء تستحق أكثر وأكثر .

الخميس / في الختام نتوجه للدكتور خالد بالشكر الجزيل على استجابته لهذه المواجهة .

وأنا بدوري أشكركم على تفضلكم باستضافتي في هذا الملحق الناجح، وأرجو أن أكون قد وفقت للإجابة المناسبة على استجوابكم الثقافي المكثف ، كما أود أن أقول لك يا أخي الأستاذ عبد الله : إنني أعد مجموعة من هذه الأسئلة توجيها ونصحا لي أرجو أن أكون قد استوعبته .

.. نشرت عام 1424هـ في جريدة اليوم – ملحق الخميس



اترك تعليقاً