هموم أدبية

 

جريدة المدينة – علي العميري

هل تستطيع أن تقول إن رابطة الأدب الإسلامي العالمية خدمت الأدب وقضاياه في المنطقة؟

رابطة الأدب الإسلامي عالمية الكيان، والعطاء، فهي كالشجرة الكبيرة تميس أغصانها في كل دولة مسلمة، أو قل في كل أرض فيها أديب ينتمي إليها، في كل القارات، ولذلك فإن حصر السؤال في منطقة محدودة كالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، يضر بتقييمها، ولا سيما أنها لا تقيم أنشطتها ـ نظاما ـ في المملكة إلا في الرياض فقط؛ حيث يوجد مكتبها الإقليمي، ولها هناك لقاءات أدبية ونقدية وثقافية شهرية مستمرة، وعمل دؤوب في إخراج مجلة الأدب الإسلامي، ورعاية المواهب الشابة، وبعض المهرجانات الشعرية والندوات النقدية.

وأما نشطاها في بقية مناطق المملكة فهو محدود جدا، ويتمثل في انتماء الأعضاء إليها، ومشاركاتهم في مؤتمراتها الداخلية والخارجية، والتواصل الدائم حول أخبار الرابطة، والمشاركة في نشاطها الشهري في الرياض، والاشتراك في مجلة الأدب الإسلامي، ولذلك فهي في حاجة للعمل على توسيع دوائر نشاطها في المناطق والمحافظات؛ عن طريق فتح مكاتب فيها؛ للوصول إلى شرائح متعددة من الأدباء والأديبات، وتفعيل دورها للنهوض بالأدب الإسلامي في تلك المناطق.

وبهذا فإنها لم تستطع ـ بسبب ظروفها ـ أن تخدم الأدب وقضاياه في المنطقة الشرقية ولا في غيرها من مناطق المملكة كما ينبغي لها، وكما يتوقع منها.

ما دور النادي الأدبي في الأحساء تجاه المرأة في المنطقة؟

يحرج الوضع الاجتماعي في الأحساء ـ إلى وقت قريب ـ على المرأة أن تبوح بما تكتب مذيلا باسمها الصريح؛ مما وضع عددا من الحواجز أمام إبداعاتها الأدبية المختلفة، ولذلك فبمجرد أن فتح لها المجال في نادي الأحساء الأدبي، بادرت في شكل تجمع نسائي متميز، شكل منه النادي لجنة خاصة ترأسها الدكتوره إقبال العرفج، وهي أديبة وشاعرة وناقدة وإدارية، زارت عددا من اللجان النسائية في الأندية الأخرى، وتبادلت معها الأفكار، وعقدت معها الصلات، وقامت بتفريع اللجنة إلى لجان متوازية مع لجان الرجال، وبدأن فعلا في الكشف عن إبداعاتهن، واحتضان الموهوبات من الطالبات، ووضعن خطة متنوعة الأنشطة. ومجلس الإدارة كان وراء هذا التشكيل، داعما ـ بكل قوة ـ انطلاقة هذه المسيرة، التي أرجو الله تعالى أن يوفقها للمحافظة على هويتها الإسلامية، وطابع بلادها المتميز، منطلقة في آفاق الإبداع المترامية الأطراف.

بماذا يتميز النادي الأدبي بالأحساء عن الأندية الأخرى؛ لا سيما أنه يقرب من دول مجلس التعاون الخليجي؟

هذا السؤال مبكر جدا، ولكني أظن أن هناك سمات مشتركة؛ مثل تنوع الأطياف، والحماسة للعمل؛ وخاصة بعد التشكيل الجديد، وربما تميزت الأحساء بأنها ذات أجواء أدبية وشاعرية في بيوتها ومجالسها ومدارسها، فالأحسائيون يتنفسون الثقافة والأدب مع الهواء، ويرضعونه مع الحليب، ولذلك لا عذر لناد يولد في مثل هذا البيئة ألا ينجح.

ولعل في القرب من دول كثيرة فرصة ـ لو استغلت ـ للتواصل مع أدبائها وحراكها الثقافي بالاستضافة والزيارة وطبع الكتب، وتبادل الأعمال.

أين وصلت القصيدة السعودية الآن؟ وما الأشكال الشعرية المقبولة منها عند الدكتور خالد الحليبي؟

لست مع انتمائية الشعر لأية جنسية، فليس هناك شعر سعودي، وثان سوري وثالث مصري..إلخ، وإنما هناك شعر في السعودية، وشعر في سوريا، وهكذا، ولكن لا بأس أن نقول: الشعر العربي؛ لأنه منسوب إلى اللغة التي يكتب بها.

وأما عن القصيدة في السعودية فقد أثبتت أنها قادرة على التطور والنماء، ومواكبة الأحداث، ومحاولة مواكبة التطورات النقدية العالمية، من خلال ثلة من الشعراء المتميزين في جميع مناطقها بلا استثناء، ولكنها فشلت في إيجاد أسماء نموذجية على مستوى العالم العربي، إلا ما ندر، ومثل هذا السؤال ينتظر أن يجيب عنه ملتقى النقد الأدبي في نادي الرياض الأدبي في الدورة القادمة بإذن الله تعالى.

ولست أجد أن شكلا من الأشكال الشعرية غير مقبول عندي، فالخلاف في المضامين، وليس في الأشكال، غير أني لا أعد ما يكتب دون موسيقى خارجية شعرا، وإن توافرت فيه الموسيقى الداخلية. وأعده نصا أدبيا، حسنه حسن وقبيحه قبيح.

ولكني أرفض النص/الأحجية، الملغز، وأدعي أنه سوف ينغلق حتى على كاتبه بعد حين فلا يدري ما كتب، فالغموض فن، ولكن ينبغي أن يكون شفافا، حتى لا يموت النص بعد فترة، أو يقطع الصلة مع المتلقي.

وأرى أن عددا من الشعراء قد انفصلوا عن الحياة، وعن المتلقي بما يتوهمون أنه شعر، وتراهم يخجلون من قراءته على المنابر وفي المجالس الأدبية، ويرددون بأنه يقرأ ولا ينشد، وما عهدنا الشعر رسومات تشكيلية، ولكنه القول المسموع النافذ إلى الأعماق:

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه          فليس خليقا أن يقال له: شعر

من خلال عضويتك في أنشطة الصالونات الأدبية الخاصة؛ مثل أحدية المبارك وإثنينية النعيم، هل ترى أن هذه الصالونات تستحق دعما من قبل الوزارة المعنية؟

هذه الصالونات شعبية المنشأ والإدارة والنشاط، ولا أحب لها أن تدخل دوائر الرسميات، فلا يوجد دعم دون تدخل، ولكن يمكن أن تدعم بطريقة أخرى، وهي طباعة منتجها الثقافي والأدبي من خلال الأندية الأدبية، وعدم معارضتها باجتماعات رسمية في الوقت الذي تعقد فيه اجتماعاتها، والاستجابة لدعواتها، وتبني الإعلان عن منتدياتها على مواقعها الإلكترونية، ونحو ذلك.

ما القصيدة التي تمنيت كتابتها ولم تستطع؟

كنت أتمنى أن أستطيع أن قصيدة لأمي حفظها الله، فقد ظللت عقودا وأنا أفشل في ذلك، رغم وجود ثلاثة دواوين شعرية، ولكني تجرأت وكتبتها أخيرا، وأعترف أنها دون مستوى مشاعري تجاهها.. التي لا أعرف لها حدودا!!!

هل يعجز الشعر عن كشف سلبيات المجتمع كما تفعل الرواية الحديثة من وجهة نظر البعض؟ أم أن للشعر نهجا مخالفا، وبالتالي لا بد أن تحل الرواية هذا المحل البارز؛ لتؤدي هذا الدور الذي لا تؤديه القصيدة؟

الشعر العربي كان ولا يزال قادرا على الإسهام في القضايا الاجتماعية، وقد واكب كل التطورات في المجتمع العربي منذ العصر الجاهلي، ولكن نقاد العصر الحديث لم يبحثوا في الشعر القديم إلا عن الشعر الذي قيل في بلاط الحكام، أو عبر عن المشاعر العاطفية، وأهملوا الأحاسيس المرهفة تجاه المتغيرات الاجتماعية التي مر بها الفرد والمجتمع خلال هذا التاريخ الطويل، وهي مبثوثة في دواوين الشعراء والموسوعات الأدبية كاليتيمة والأغاني والذخيرة.

وقد سجلت عدد من الأطروحات العلمية في النبض الاجتماعي في عصور خلت، واستكشفت الأنماط الاجتماعية التي كانت تسود ثم تتراجع أمام زحف ثقافات أخرى؛ كالفارسية والتركية والأسبانية، وهو ما نجده في العصر الحديث كذلك، ومن قرأ الشعر الحديث في العراق ومصر وسوريا وهنا في السعودية، سيجد أن الشعر سباق لسبر المرحلة الاجتماعية الآنية، والمستجدة. ولكن فرق كبير بين اللمحات الشعرية، والومضات الفنية التي تستدعيها طبيعة الشعر، التي لا تسمح بالتفاصيل، وبين المساحة الشاسعة التي تتيحها القصة الطويلة، أو الرواية، التي تظهر فيها الشخوص على مسرح الحياة الاجتماعية بكل تفاصيلها.

كثرة الأسماء التي تلقب الآن بـ(الناقد الأدبي أو الناقدة الأدبية)، يجعلنا نعيد النظر في مفهوم النقد والناقد الأدبي، ما رؤيتكم للقضية؟

يبدو أن النقد أصبح مهنة من لا مهنة له..! هذا اللقب يجب أن يكون أكاديميا،    أو معترفا به من قبل أكاديميين، حتى نضبط الألقاب، ونضعها في موضعها. وقد رأيت من يصر على تلقيب نفسه بهذا اللقب، وهو لا يمتلك رصيدا من النقد الموثق، فلا كتب، ولا مقالات، ولا أطروحات علمية، ولا بحوث محكمة، ولا شيء .. إلا عدد من المناوشات الفارغة هنا وهناك، والمشكلة ليست في تلقيب نفسه لنفسه، ولكنها في الاستجابة من الفضائيات والصحف والأندية الأدبية التي تصنع من هذا نجما؛ فهي بذلك تغره، وتضر به ضررا بالغا. يحكى أن أبا علي الفارسي (إمام النحو المشهور) مرّ بالموصل، ورأى ابن جني حينما كان شابا يعطي دروسا في النحو، فأخطأ ابن جني، فاستوقفه ذلك الخطأ، فنبهه أبو علي الفارسي إلى ذلك، فهجر ابن جني عن الجواب، حينها قال أبو علي الفارسي: “يا فتى (زببت ولم تحصرم بعد) أي إنك تريد أن تصبح زبيبا قبل أن تكون حصرما، والحصرم العنب الذي لم ينضج، ومنذ ذلك اليوم لزمه ابن جني ودرس على يدهوأصبح إماما نحويا ولغويا مشهورا يشار إليه بالبنان.

يرى البعض أهمية إيجاد مختصين في وزارة الثقافة والإعلام لمراقبة الفسح والنشر للأعمال الأدبية؛ من رواية وشعر ومجموعة قصصية؛ حتى لا يختلط الحابل بالنابل، ما رأيكم في هذا التوجه؟

يرى أصحاب هذا التوجه أن المطبوعة التي تنشر سوف تكون زادا متوافرا بين يدي المتلقين، الذين تختلف أعمارهم، ومدى حصانتهم، ومن حق كل وطن أن يحافظ على صحة أبنائه من كل زاد مغشوش، فإذا كانت الرقابة سوف توقف كل مطبوعة مغشوشة شكلا أو مضمونا؛ سواء أكانت داخلية أم خارجية، فإن هذا واجب شرعي ووطني تنهض به هذه اللجنة، على أن تكون مؤهلة لذلك تأهيلا علميا كافيا في كل التخصصات، ولا يعد ذلك من باب الحجر على الفكر، ولا تحجيم الثقافة. لأن المفكرين والباحثين يستطيعون إحضار الكتب التي يحتاجونها من أي بلاد في الدنيا في لحظات؛ بما تيسر من تقنيات عالية، ولكنه حق للعصر الذي نعيش فيه ألا نشوهه بالمنتج الغث، الذي تنتجه أقلام فجة ضعيفة مدعية الفن والأدب والثقافة والعلم، وهي ليست من ذلك في شيء، فليس هناك ما يمنع من وضع حد أدنى للمطبوعة من الجودة العلمية والفنية والأدبية، بل هو نوع من الارتقاء بالثقافة، وحراسة للجودة والذوق العام الذي يتأثر بما يعرض عليه.

وأما التيار الذي ينادي بإلغاء الرقابة نهائيا، فهو غير واقعي الطرح، فمن يقول بأن الحرية غير جميلة؟ ولكن هل يوجد من يقول: إن الحرية غير المنضبطة جميلة؟ إنها مغالطة سوف تنكشف لكل ذي عينين، ولو بعد حين.

الأندية الأدبية كثر الحديث حولها، فهل ترى أنها أدت دورها المأمول منها؟ وهل تواجهها عوائق؟ وما الآلية المناسبة لتذليل هذه العوائق؟

تواجه الأندية الأدبية ـ حاليا ـ تحديا جديد، لم يكن بارزا في السابق، جاء نتيجة سياسة جديدة انتهجتها وزارة الثقافة والإعلام، يتمثل في خلط التيارات الفكرية والأدبية التي تختلف في أيدلوجيتها اختلافا كاملا، وجعلها في سلة واحدة، مما جعل التوتر هو السائد في عدد من الأندية، والخلافات تقفز هنا وهناك طافية على الساحة، تشي بخلاف عميق تغطيه المجاملات لفترة ما، ولكنه لا يلبث أن يطفح.

وكنت أتمنى أن تتفهم الوزارة الوضع الثقافي القائم في البلاد، فتمنح الفرصة للطرفين منفصلين، بأن تجعل التيار المحافظ في الأندية الأدبية، والتيار الآخر في جمعية الثقافة والفنون، حتى يتفرغ كلا التيارين للإنتاج، بدلا من الانشغال ببعضهما انشغالا سلبيا، مما يؤدي إلى تنابز واستقالات واعتزالات!! وتخلف على المستوى الثقافي العام.

كما إني أقترح على الوزارة أن تمحض الأندية الأدبية لفن القول بكل آفاقه الفساح، وتترك ثقافة الصورة؛ بكل آفاقها التشكيلية والضوئية لجمعية الفنون؛ لأن الواقع الآن أن الأوراق اختلطت بين المؤسستين، وانشغل كل منهما بما كان جديرا بأن يمحض للآخر.

شكرا لك أخي الدكتور علي العميري، ولقراء جريدتكم الغراء.

 



اترك تعليقاً