تعليمنا والعالمية

 

تنساق كثير من سلوكاتنا، وتتبعها أوقاتنا (حياتنا) وأموالنا وراء الهدف الذي نضعه، والخطط التنفيذية لهذا الهدف، ولذا فإننا حين نخطئ الهدف، فإن كل الخطط والأموال والأوقات تصبح هدرا، وبقدر دقتنا في تحديد الهدف سوف تكون نجاحاتنا، العامة والخاصة.
لقد مر زمن طويل على العملية التعليمية في بلادنا (العامة والجامعية) وهي تسعى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية المناسبة للمرحلة التي مرت بها، وتخطت مراحلها تلك بصبر وجلد، وحققت كثيرا مما أجندتها في إطار محلي، له رؤيته النهضوية الخاصة. وفجأة انفتح العالم، وسقطت جدر الحدود العلمية بين الدول، فلم نعد نستطيع أن نعيش بعيدا عن التقويم العالمي لأدائنا، فانفتحت بذلك أبواب من التقدم والفضاء المعرفي. وجدت معايير عالمية للجودة التعليمية، فاكتشفنا أن جزءا مما كنا نعمله في مساره الصحيح، وأن كثيرا مما يجب أن نعمل مفقود، وعلينا الآن أن نعيد حساباتنا لمراجعة الذات، والبحث فيما يجب أن نفعله بالفعل، ولا سيما أننا نملك إمكانات مادية ضخمة، قادرة على دعم كل منجز بإذن الله تعالى. وبعد هنيهة، دخلت بعض جامعاتنا في الرقم الدولي، وهو ما شجع بقية الجامعات والتعليم العام على المضي في رفع مستوى معايير الأداء الوظيفي، وتجديد الأهداف، والرقي بالرؤية من المحلية إلى العالمية. قد يكره المرء أن توضع له معايير محددة، ثم يطلب منه تسديدها، وكأنها ديون ثقيلة على عاتقه، ولكن الحقيقة أن وجود المعايير عدالة، والاهتمام بها سوف يولد تقدما ملموسا في الاتجاه الصحيح، وهذا هو المهم، إذا إننا نركض منذ أزمان متطاولة، وحققنا كثيرا من التقدم لبلادنا، ولكننا الآن في المؤسسات التعليمية بكل مستوياتها ـ نعرف أكثر من ذي قبل، ماذا نصنع؟ وما الأوليات؟ وما حقيقة التقدم التعليمي؟ لنكف لبرهة من الزمن عن الثناء على أنفسنا، ولنخط خطوة فاعلة في صمت تاريخي، يتولد عنه انفجار معرفي وتقني، وتأهيل قوي لمستقبل فتي، في القريب العاجل بعون الله تعالى. لنتتبع كل معيار للجودة بكل دقة، ونحدد موقعنا منه بكل مصداقية وشفافبة، ونستعين ـ بعد الله تعالى ـ بكل خبراتنا التي تكونت عبر نقل الحضارة من خلال دراساتها، أو عبر عملها الطويل في مجال ما، ولا بأس بأن نستعين بخبرات أجنبية بقدر ما نفتقد، وليس لتكون هي الأصل، فبقدر وجود الخبير السعودي الذي يكفينا أمرا ما، يجب أن نستغني عن الخبير الأجنبي، وقد أثبت أبناء الوطن أنهم أحدب عليه وأحن، وأنهم يمتلكون عقليات جبارة، ونفوسا ذات همم عالية، تروض بها عراقيل النجاح بجدارة، حتى وصلوا إلى نجاحات مبهرة. إن المحلية طريق العالمية، ونحن نمخر هذا العباب، يجب أن نعلم أنه ليس كل ما يطبق في عالم التعليم الغربي المتقدم هو سبب تقدمه، فهناك ما يتصل بالدين والأعراف والقيم التي تؤمن بها المجتمعات، ولا تقف حائلا دون الوصول إلى القمة، بل إن المحافظة عليها، مع الأخذ بأسباب الرقي هو سبب النهضة الحقيقية. والأمة التي تحترم دينها وقيمها ولغتها هي الأمة الأكثر جدارة بتسنم قمة المجد، وتسلق درجات التمدن، وهي الأمة التي تبقى وتخلد. ومما قد يحدث في مثل هذه المرحلة الإغراق حتى الغرق في المشكلات، والبحث فيها، والحقيقة أن الالتفات إلى المستقبل وإيجاد الحلول السريعة، خطوة مهمة، إلى الخطوة التالية، وهي البناء، فلن يتقدم ـ أبدا ـ من تكون كل حياته بحث في المشكلة والحل، بل أقصى ما سيحصل عليه هو الثبات على ما هو عليه وحسب. إن البناء هو المرحلة التي يجب أن تنعقد لها ورش العمل، والمؤتمرات، لا لنضيف إلى قائمتهما اسما جديدا، ثم نسميه إنجازا، ولكن لأننا نحتاج إلى التوصيات التي تصدر عنهما؛ لنحيلها إلى واقع. ونحتاج مع ذلك، وفي كل مرحلة من مراحل عملنا، إلى صدق مع أنفسنا، ومع وطننا، صدقا تذوب فيه الفردية، وتسمو النفوس العلية، المتطلعة إلى ترك إرث لا يمحى من الأرض بأمر الله تعالى.



اترك تعليقاً