التغيير المنشود

عاد يحمل نتيجته ، يتهلل فرحا ، يتلفت حوله ، يبحث عن عيون والديه ؛ لتجد بهجته لها مستقرا تقيل فيه ، طفل لتوه يخطو نحو العاشرة ، تجاوز الفصل الأول من الصف الثالث ، قدم إلي ورقة المستوى فتفاجأت بما سرني حقا .. ليس لأنه حصل على رقم ( 1 ) في جميع المواد ، والذي يعني أنه أتقن جميع مهارات المادة ( بلغة التقويم الجديدة ) فحسب ، ولكن لأن المادة الوحيدة التي حصل فيها على رقم ( 2 ) والذي يعني أنه أتقن معظم مهاراتها حددت لي المهارة الوحيدة التي لم يتقنها ابني في    ( مادة القراءة والمحفوظات ) ، وهي : ( التمييز بين التاء المفتوحة والمربوطة والهاء قراءة وكتابة ) ، هكذا بكل دقة ، حين قرأت هذه العبارة أدركت نجاح النظام الجديد الذي ألغى الامتحانات التقليدية عن الصفوف الدنيا ، أو بلغة أكثر تحضرا ( عن صفوف مرحلة التأسيس في التعليم ) ، وجعل المعلمين يتابعون طلابهم فردا فردا إلى نهاية الفصل الدراسي .

ولكن ماذا نجني من هذا النظام ؟

إن أول ما نجنيه هو : رحيل غمامة الأسى التي كانت تلازم تلك الوجوه الصغيرة في أيام الامتحانات ، هلعا من دخول الامتحان ، أو حسرة على فوات فقرة لم يجيبوها نسيانا ، أو خوفا من محاسبة ذويهم لهم على كل درجة تنقص ، وهم في عمر لا يؤهلهم لكل هذا الهم . بل إن هذا النظام خفف عبء المتابعة والمذاكرة على البيوت التي تضم مجموعة من الطلاب والطالبات المتقاربين في السن.

وثاني ما جنيناه : أن أولياء الأمور باتوا على دراية ووعي بقدرات ولدهم ، ونواحي الضعف لديه ، فإذا عرفت بدقة أن ولدي ضعيف في مهارة معينة في نهاية الفصل ، فإن من واجبي أن أحاول أن أسعى إلى تقويته فيها خلال الإجازة ، كما أن من واجب المعلم أن يحرص كذلك على التركيز عليه في هذه الناحية أكثر من غيرها ، وبهذا يأخذ التعليم مسارا جديدا ؛ حين يتتبع الطالب بدقة متناهية ، وهو يلاحق مهاراته واحدة واحدة ليرسخها في عقله .

وثالث ما جنيناه : أن وزارة المعارف تجاوزت حاجزا ليس من السهولة تجاوزه ، وهو أن يبلغ التطوير فيها حدا يُلغى به أسلوب شب عليه الصبي وشاخ عليه الشباب كما يقال ، وهو ما سيدفعها أن تنجب الجديد والجديد ، وهو ما نتمناه في كثير من أساليب حياتنا .

إن ديننا الحنيف احترم العقل ، وأطلقه من أسار التحجر والثبات الآسن ، منحنا كل هذا الكون لنبدعه من جديد ، لنغير فيه بما يعمره ويثمر ممتلكاته ، ليكون فيه الإنسان اليد الزارعة البانية الصانعة بإذن ربه تعالى ..

إن كل تطوير يحتاج إلى دراسة متأنية ، ولكن لا يبلغ التأني درجة الإبطاء والوسوسة ؛ فإذا كنا لا نطبق نظاما حديثا إلا بعد دراسته عشر سنوات فلك أن تتخيل المسافات الزمنية بين كل خطوة وأختها ، وهو من أسباب التراجع ولا شك .

إن كل تطوير يحتاج إلى قدر من الجرأة في طرحه ، فالإنسان عدو ما يجهل ، ومن طبيعة الأفكار الجديدة أن تلقى من يعارضها في بداية الأمر ، فإذا طبقت ، استمدت من وجودها حقها في الحياة ، فبقدر المعارضين ستجد أضعاف المؤيدين ولو بعد حين ، يعنينا من هذا التطوير ألا يمسخ هويتنا ،     ألا يكون على حساب معتقدنا ولا مبادئنا أو مصالح أمتنا ووطننا .

برقية    ..

شكرا يا وزارة المعارف . . فهذه وقفة مع واحد من إنجازاتك الرائعة التي أصبحت تتتابع كزخات الغيث ؛ لتحدث التغيير الرائع الذي لا يمكن أن يستغني عنه ميدان من ميادين الحياة .



اترك تعليقاً