الغش المقنع

إذا قدر لك أن تدخل معمعة بناء منزل شخصي ، وكان ذوقك عنيدا ، يأبى أن يرضخ لأذواق الآخرين ، بحيث تكفي نفسك ووقتك هم المتابعة ومعركة الاختيار ، فعليك أن تشمر عن ساعديك ، وتشحذ كل طاقاتك التي خلقت في كيانك، وتستنفر كل الكريات البيضاء المسلحة في دمك ، للاستعداد لمواجهة ميكروبات الغش المقنع .

سوف تواجه محترفين في الفن المسرحي ، يقومون بأداء أدوارهم بكل دقة ، يسأل أحدهم عن السلعة أمامك بمنتهى البراءة ، فينهمر الآخر بلهجة واثقة بشتى ألوان الميزات الخارقة ، والتي تصورها لك بأنها أفضل ما وقعت عليه عين بشر في الدنيا كلها ، ثم يُشهِدُه على أن عميلا آخر أراد تغييرها بعد استخدامها عشرين سنة ، ولكن المتجر ( النصوح ) أشار عليه بعدم استبدالها لأنها لا تزال جديدة ، لم تفقد أصالتها وقوتها .

وتأتي لمتجر آخر فيقوم بدور المشفق عليك من خفافيش السوق ، الذين يستقبلونك بالنظر إلى جيبك لا إلى وجهك ، وينبهك على مجموعة من أساليب الغش التجاري المقنع ، فإذا وثق بأنه استطاع استمالة قلبك ، وجاء أوان تحديد السعر وكتابة العقد ، أغراك بسعر أقل من كل الأسعار التي واجهتك في جولتك ، حتى رأيت أنه يستحق أن ترسي عليه المناقصة ، وإبرام العقد ، وبعد التركيب تفاجأ بأنه قام ـ ببراعة ـ بتنفيذ واحد من تلك الأساليب الخادعة ، وتزوير السلعة لتبدو لعينيك بأنها أصيلة ، وهي تقليد متقن ، لا يبدو عواره إلا بعد حين .. ، حينئذ تكتشف بأنك وقعت في الفخ .

ليس البناء ـ أيها القارئ العزيز ـ هو المضمار الوحيد الذي تتشابه فيه السلع في الشكل ، وتفترق في الجوهر ، بل أصبحت هذه هي لعبة التسويق في غالب السلع المعروضة ، حتى بات المستهلك فريسة هذه الحيتان الكبيرة ، حيث يغريه طعمها ،   ولا يكتشف خديعتها إلا وهو في بين فكيها .

ولعل سوق قطع غيار السيارات من أكثر الأسواق في بلادنا حاجة إلى تدخل الجهات المختصة ؛ لغربلته من القطع التجارية المهترئة ، والتي ربما أودت بحياة الناس لفساد مادتها ، ولا سيما حين تكون قطعة أساسا ، كركبة السيارة ، وعمودها الفقري، وعجلاتها ، ونحو ذلك .

إن السلع الرديئة التي ترتدي ثياب السلع الجيدة هي من أكبر أسباب فرار الأموال من أيدي الناس ، حيث تغريهم بشكلها ورخص أسعارها ، ولكنها لا تلبث أن تعطب لتطلب البديل من أمثالها ، ليستمر تسرب المال من أيدينا إلى مصانع الخراب والغش المقنع في الخارج . فهل بتنا سوقا مفتوحة لكل السلع الرديئة بحجة حرية التجارة ، وحرية الاختيار ، ومراعاة ذوي الدخل المحدود .

إننا إذا أردنا فعلا حماية ذوي الدخل المحدود وحماية المستهلك عموما فعلينا إنقاذهم من اختيار هذه السلع ، لأنها خطيرة في الاستعمال ، قصيرة في العمر ، رديئة في الأداء .

برقية ..

من سيحمي المستهلك ، ويطهر السوق من هذه الأوبئة ؟



اترك تعليقاً