رفقا بأعصابنا أيتها الصحف !

لا يخلو مجتمع من جريمة ، ولكن هناك تفاوت كبير بين المجتمعات في نسبة وجودها ، ومقدار انتشارها ، ومن يوازن بين مجتمعنا وأي مجتمع آخر سيجد الفرق واضحا لا يحتاج إلى دليل . فبينما تتوارى الجريمة في بلادنا : خوفا من حدود الله التي تقف بالمرصاد لمن يحدث فيها ما يزعزع أمنها ، وخجلا من السمت العام الذي تكوَّن عليه المجتمع وتربى ونشأ ، والذي يمثل فيه الإسلام أساسه ولحمته ، نجد في المقابل تزايد نسبة الجريمة في عدد من بلاد العالم من بينها بعض الدول المتقدمة ، والتي فشلت في حماية مواطنيها من مواطنيها ، حتى أصبحت الجرائم ترتكب فيها في كل ثانية من ثواني الدهر .

والذي أقلقني ودفعني للكتابة في هذا الموضوع هو تسابق بعض صحفنا المحلية إلى نشر أخبار الجرائم التي ترتكب في بعض الدول الأخرى ، فتنقل إلينا ما هو غريب على عرفنا ، ولا علاقة له بمواضعاتنا الاجتماعية . وهي غالبا تحكي قصصا مروعة ، تجرح شعورنا الآمن ، وتحطم نظام الحياة في أعيننا ، وتنقل إلينا ما يزعج هدوءنا الذي اعتدناه ، كل ذلك دون مردود نافع يمكن أن يجنيه المجتمع من علمه بهذه النماذج الشاذة في مجتمعاتها .

ولعل الخطورة تزداد في نشر هذه الأخبار حين يسرف الصحفي في تفاصيل هذه الجرائم ، ويشرح الخطط التي تمكن من خلالها المجرم للوصول إلى تنفيذ جريمته ، ويقف عند مكامن الضعف التي أدت إلى كشفه ، فيشترك بذلك ـ بحسن نية ـ مع أفلام الرعب التي تلقن الشباب أصول الجريمة ، والتي شكلت أحد أسباب وقوع الجرائم في العالم ، كل ذلك من أجل السبق الصحفي ، والركض وراء الإثارة التي يجتذب بها عددا من القراء .

إن القرآن الكريم حين ذكر بعض الجرائم ، لم يفصل في أحداثها ، بل أجملها إجمالا ، ومن يقرأ قصة أول جريمة ارتكبت على الأرض بين ابني آدم ، وقصة مروادة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام ، وقصص إيذاء الأنبياء وقتلهم سيلمح هذا المنهج القرآني الفريد الذي صور الجريمة دون أن يغري بها ، والذي لم يُعْنَ بجزئياتها كما عني بمعالجة الموقف وإثارة شعور القارئ ضد المجرم والجريمة ، وبذلك يترك في نفسه إحساسا صحيحا ( غير مرضي ) إيجابيا ( غير سلبي ) .

ولعل بيانات وزارة الداخلية التي تصدر فيمن تُطَبَّقُ فيهم الحدود تعد نماذج جيدة في هذا الإطار ، فهي تذكر الجريمة بإجمال ، وتشير إلى تمكن ولاة الأمر من إيصال المجرم إلى ساحة العدالة ، وتذكر العقاب ، فيقع المرجو من إعلان الجريمة ، وهو اعتبار الآخرين بها ، والذي أشار إليه الله تعالى في قوله : { وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } .

إن الجدير بصحفنا أن تنقل إلينا النماذج العليا في المجتمعات الأخرى ، والتي تثير في نفوسنا الطموح إلى مزيد من التقدم والرقي ، وهو مما تفعله أحيانا ، ونرغب في المزيد منه ، ولا مانع من الإشارة إلى بعض سلبياتهم بإجمال لنتجنبها .

برقية :

رفقا بأعصابنا أيتها الصحف ، فلئن نالت الجريمة من صحف الآخرين صفحة كاملة كل يوم ، فما أجمل أن نفخر بأنها في بلادنا المتميزة بمنهجها السماوي أقل من أن تأخذ هذه المساحة .



اترك تعليقاً