في المحطة ..!!

تجاعيد السنين وأخاديد الفقر تظاهرت فوق سحنة وجهها البائس ، وهي ترمق الزجاج بعينين مسهدتين ، يداها تيبست على بطاقة الأحوال المدنية ومعها بعض النقود ، وهي لا تزال تستدر عطف موظف التذاكر ؛ ليجد لها مقعدين فقط في الدرجة الثانية في القطار ..

لكن محاولات العجوز كلها باءت بالفشل الممزق للأعصاب ..

أنفاسها بدأت في الهبوط شيئا فشيئا ..

لم يبق من صوتها المتهدج سوى دعوات كالسياط تلهب بها ظهر الموظف المشلول بالنظام الرتيب ، الذي سلبت منه المرونة في أهم مواقعها .

بدت وكأنها سمكة لفظتها الأمواج بقوة على شاطيء مقفر ، ولكنها   لا تزال تتلبط متشبثة بالحياة إلى آخر رمق ..

ومن قريب راحت تراقب المسافرين وهم يتناقصون في الطابور المؤدي إلى صالة الانتظار للمغادرة .. ومن طرف آخر تراقب الرجل المعاق        على الكرسي المتحرك من بعيد .. ثم تهمس بحسرة .. رجل معاق .. وأنا امرأة عجوز .. ألا يرحمون مثلي .. ألا يرقون لحالي ..

التفت إليها الموظف بوجه متقلص كئيب ، متجاهلا كل الدعوات   التي صبتها على أم رأسه .. يا أمي .. لا تنتظري .. من المستحيل أن تجدي على هذه الرحلة مقعدين .. بل ولا في الرحلتين القادمتين ..

رجل أسمر تحدث بانفعال شديد .. ولكن القطار في كل مرة يسير وفيه مقاعد خالية .. لماذا لا تفعلون مثل المطارات في خدمة الانتظار حتى متى       لا تطورون خدماتكم ؟!

احتار الموظف ثم رد بحيرة .. صدقت ولكن النظام لا يسمح لنا      بأن نبيع تذكرتين لمقعد واحد .. فالمقعد الذي تراه خاليا تركه صاحبه بتخلفه عن الحضور ولم يسترد تذكرته .. !

رد الرجل الأسمر .. ما تقوله يضمن حق القطار ، ولكنه يضيع خدمة مثل هذه المسكينة .. وذلك الـمـُـقعد .. وأمثالهما .. بل لماذا لا أستطيع أنا أن أركب في مكان تأكدتم من عدم حضور صاحبه إلى ما قبل انطلاق القطار بربع ساعة مثلا .. وأنا في أمس الحاجة للسفر !! هل عجزتم عن حل مشكلة مثل هذه ؟؟!!

تمتم الموظف … اكتب أنت لإدارة القطار مقترحاتك ، ولا تحملني كل هذا السيل من اللكمات العتابية الشديدة .. فقد تعبت من كثرة اللوم منك ومن أمثالك .

العجوز تحس باحتراق في كبدها .. تلتفت إلى الموظف الذي يبدو محرجا أكثر   مما توقعت ، فيشعر أنه لا يستطيع أن يبادلها النظرات فيتلهى بما في يديه .. ثم يختلس نظرة محرقة ويقول لها : أرجوك اذهبي إلى النقل الجماعي .. فهو يسافر إلى بلدك الساعة العاشرة .. لم يبق زمن كاف للطريق .. أسرعي حتى لا تضطري أن تبقي الليلة هنا ..

أخفضت العجوز رأسها بذلة .. نظرت إلى نقودها .. فردتها على الرخامة الوردية الزاهية أمام نافذة الموظف .. عدتها … وجدتها اثنين وسبعين ريالا .. تذكرت أن تكلفة تذكرتين في النقل الجماعي إلى بلدها مئة وعشرون ريالا .. تمعر وجهها واسود .. وهي تلتفت ببؤس إلى الرجل المشلول فوق كرسيه المتحرك .. ؟!

القطار سار بمقاعده الخالية ..

الراغبون في السفر أعادوا بطاقاتهم ونقودهم إلى جيوبهم ..

والعجوز سحبت الكرسي المتحرك واتجهت إلى الباب الكهربائي الفاره..



اترك تعليقاً