لمن أوجه رثائي ؟

أيها الراحل بقلوب محبيك .. سلام عليك وأنت في ظل رحمة الله

سلام معطر بدعوات تختلج بين ضلوع أيتام أذاقهم الردى طعم اليتم مرة أخرى بفقدك ، ومساكين تهدمت بيوت سعادتهم حين دهمهم نبأ رحيلك ، وأصدقاء عرفوا فيك نبل المشاعر ، وسخاء النفس ، ومروءة العشرة .. فعشقوا مجالستك .

سلام عليك كمثل سلامك على من تعرف وعلى من تجهل نقاوة وصفاء وصدقا ..

ما الذي ترجو أن تسمعه من محب مفجوع ، تراكمت على قلبه جمرات نعيك حتى أحرقت شغافه .. كل ينقل النبأ إليه وهو ذاهل .. وكأنه في كل مرة يسمعه لأول مرة .. حتى تكسرت النصال على النصال .

أشهد أن الموت حق ، وما قهر الإنسان مثل سيفه المصلت .. ولله الحكمة البالغة في ضرب الآجال ، وقبض الأنفس ، لا اعتراض على قدر الله ، بل لله الأمر كله ، أعبده بالتسليم التام الذي لا تردد فيه ..

ولكني أصدقك .. إنني ما كنت محتاجا لمعاني الصبر كمثل حاجتي إليها حين طعنني نعاتك .. أصوات نشيجهم .. حمرة عيونهم .. مرائي الحزن المنقوشة على وجوههم ..

أصدقك .. لم يعد مسجدك كما كان وأنت تعمره بالصلاة وتلاوة القرآن كما عمرته بالبنيان ، تسأل عن كل فرد فيه وكأنه بيتك .. والمصلون ضيوفك .

صدقني .. لم يعد الحي كما كان حينما كنت فيه خيمته الظليلة ، التي تجمع شمله ، في مجلس كالربيع .. تنثر فيه أزهار أحاديثك الممتعة اللذيذة ؛ لتقري بها ضيفك أنسا وحبا ، قبل أن تقريه كرما لا نظير له .

صدقني .. إنني خائف من قدوم رمضان هذا العام .. لا أدري كيف سيكون .. بعد أن قضيته معك أربعة عشر ربيعا .. أقتسم معك التمرة والشربة في كنف بيت الله، وأنت بين أولادك وأصدقائك وعمال الحي وخدمك ، تناول هذا ، وتوصي بذاك ، وتتحبب للأطفال ، وتهش في وجوه الفقراء الذي يقصدون نداك ، ثم ندعو الله أن يتفضل بالقبول .

سأفتقد صوتك الشجي وهو ينشد ورائي ترنيمة ( آمين ) فأحس بدعائي أضعاف معناه .. أستمد من روحك طاقة لصلاتي ..  لدعائي .. لنفسي .. فأستزيد ..

أبا عبد العزيز .. لا أبكيك إشفاقا عليك .. لا والله .. ولكن لأبرد نار الحزن بين أضلاعي .. فما الذي يبتغيه الإنسان من هذه الحياة ؟

لقد ودعتنا وقد أقمت بيتا يعبد الله فيه في كل مكان أقمت فيه .. في الرياض.. في الأحساء .. في الطائف .. في الحريق .. في سوريا .. وفي غيرها مما أخفيت وأخفيت.

وتركت الكرام الكاتبين ـ إن شاء الله ـ عاكفين على الصحف يسجلون لك حسنات أرجو ألا تنقطع بإذن الله .. في بيوت أجريت عليها معيشتها ، في مكتب دعوة الجاليات ، وجمعية تحفيظ القرآن ، ومؤسسة الحرمين .. اللاتي منحت جمعياتهم مباني خاصة ، أخرجت منها المستأجر ؛ لتتاجر مع الله وحده .

يا ليت أن الميت يفتدى .. إذن لفديتك بآلاف الأثرياء الذي عاشوا وماتوا دون أن يبتنوا مجدا لهم في الدنيا ولا في الآخرة .. تضخمت أرصدتهم في البنوك ، وخوت عند مالك الملوك .. عاشوا لأنفسهم حتى كادت أكفهم أن تبلى من شدة الإمساك .. أما أنت فأرجو أن يصدق فيك كلام الصحابة الأبرار .. حينما قالوا : (( ذهب أهل الدثور بالأجور )) ، وكلام الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم معلقا على ما قالوا : (( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )) ، مقتبسا هذا القنديل من كلام ربه عز وجل .

آخر مكالمة حدثتك فيها .. وأنت تتقلب بين يدي مرضك الأخير .. سألتك : بشرني .. فكان الجواب كعادتك .. بدون شكوى بدون تألم .. أنا طيب طيب ولله الحمد والمنة .. فرجعت إلى إرشيف ذكرياتي فإذا بهذه الكلمة تتردد أصداؤها في عشرات الأمراض والعمليات الجراحية التي نالت من جسدك حتى العظم ، وأنت تهزمها بالصبر .. حتى إني لأحسبك والله حسيبك ولا أزكي على الله أحدا .. أنك ممن ابتلي فصبر فطهر من ذنوبه .. والله هو الكريم المنان .

بصمة ..

الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الخليفة النعيم ، الحاصل على جائزة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد بن عبد العزيز ، أنموذج رائع للنفس الطيبة والكف السخية الندية ، رحمه الله وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرا ، وهنيئا له حب المسلمين ودعاؤهم .



اترك تعليقاً