مرحبا هيل .. عد السيل

في كل زيارة جديدة لإحدى مدن المملكة ، التي لم يسبق لي أن أزورها، أكتشف كنزا جديدا من السياحة الوطنية ، لا يزال بكرا ، وكل ما يحتاجه أن تشكل له لجنة سياحية محلية ، تدرس أوضاعه من خلال مصادر ثلاثة : أولها السياح ؛ لكونهم أعلم بحاجاتهم ورغباتهم من أهل البلد أنفسهم ، وثانيها : المستثمرون ؛ لكونهم الفئة المتوقع منها أن تقوم بالمشروعات الجذابة ، وثالثها: خبراء الطبيعة ؛ لكونهم القادرين على تحديد الإمكانات الطبيعية القادرة على التشكل وفق متطلبات الخدمات السياحية .

الباحة قمة جبلية تشكل لوحة جمالية لم تكتمل بعد .. !!

كل مكونات الجمال والسياحة متوفرة .. ولكنها مبعثرة هنا وهناك .. لم يضمها نسق موحد ، الجبال المعشوشبة المتعانقة عبر الآفاق ، والشلالات المترقرقة فور سقوط الأمطار ، والبرد الرماني الرائع المتقافز في خفة طروب ، والأجواء الباردة التي تمتد خمسة أشهر تقريبا كما يقول رجالاتها المثقفون ، والغابات الشاسعة ؛ مثل رغدان وشهبة ، والتي تمنح المشروعات المساحات المستوية نوعا ما لقيام منتجعاتها ومناشطها .

الباحة .. كما رأيتها عروس بكر .. مجللة بطرحة من الغيم الأبيض الرقراق ، المنتشر فوق أكماتها شفوفا تشي بالحسن المخبوء وتغري به .. تداعب عينيك المبتهجتين مرائي الطبيعة الخلابة في كل مكان ، تلامس وجناتك أنامل الرقة ، حتى تحس وأنت واقف على الجبل ، أو تسير فوق الطرق المعبدة فوق الجبال العالية أنك تخترق السحاب ، بل تتجاوز طباقه المتلبدة بالخير المنتظر في شغف ..

وحين تقترب الساعة من الخامسة مساء يتفاءل أهلوها الطيبون ، وهم يقلبون عيونهم   في السماء ، ناظرين من جانب آخر إلى مدرجات سفوح الجبال الحبلى بمواسم اللوز والموز والكمثرى السكرية ، والرمان ذي الطعم الساحر .. ويهتفون : بعد قليل   ـ بإذن الله ـ سوف ينزل المطر .. وما هي إلا دقائق معدودات .. إلا ويهبط المطر .. تهبط النعمة الربانية .. وتهبط معها البسمات الصافية .. وتتفتح أمامها حدائق النفوس لتنسى كل شيء من تراكمات الحياة ، وتغتسل الأكباد فوق الهضاب النابضة بالخضرة .. كل صخرة هنا أصبحت شلالا ماتعا ، كل شجرة من حولنا راحت تسبح الخالق عز وجل وهي تستحم بالمطر ، والبرد البلوري النقي ، قريب العهد بربه ، يغري العيون المبهورة بالمنظر الرائع ، ويحرك الأيدي لالتقاطه ، وتذوقه ..

الباحة .. أجواء ربيعية في الزمن الذي يحترق فيه الناس في مناطق كثيرة بالحر اللاهب ويختنقون بالرطوبة العالية .. ولكنها لا تزال تنتظر التفاتة جادة من وسائل الإعلام لإبراز ملامحها الجمالية ، والتفاتة أخرى لدراسة إمكانات استثمارها سياحيا ؛ لا من أجل الحصول على أرباح عالية ، ولكن من أجل تقديم خدمة جديدة لهذا الوطن الغالي ، وللحفاظ على جزء من مدخراته العالية ، بدلا من تبديدها في الخارج بمبالغ وصلت إلى المليارات .

إن السائح يريد مسكنا مريحا ومناسبا ، ويريد سيارة تكفي أفراد عائلته، ولاسيما مع عدم وجود طريق مزدوج من الطائف إلى الباحة ، فالطريق الذي عبرته خطر للغاية ، ومليء بالعقبات الكؤود ، ولعل السيارات المتناثرة على جوانبه تؤكد وجود حوادث مروعة تتجدد كل فترة ، مما يجعل السائح يختار بدائل أخرى عن سيارته الشخصية ، كالطائرة والنقل الجماعي ، فإذا وصل أدرك أن البلد يندر فيها سيارات الأجرة ، سواء السيارت المارة أم المستأجرة باليومية .

كما يريد أيضا الاستراحات المناسبة لعائلته ، وهي لا تزال قليلة جدا في الباحة ، فالأجواء المغرية بالعودة ، تزاحمها عقبات قلة الخدمات ، وهي لا شك مسؤولية أهل البلد أنفسهم .. وهو ما نقوله ـ دائما ـ لبلدنا .. الأحساء ,،،

أما النادي الأدبي هناك ، فقد أثبت أنه مواكب ـ بجدارة ـ للنشاط السياحي الذي يحاول أن يجعل للثقافة رصيدها الكبير في ميزان مهرجان الصيف الترفيهي ، فله جدول خصب ، متنوع ، جذاب ، ولكني لا أزال أقول : إن تلك معادلة صعبة .. لا ينجح فيها إلا قليلون .. فإن الثقافة      في الصيف تبدو غريبة حتى في بيوتنا ، فكيف إذا خرجنا نطلب الفسحة والترفيه ..



اترك تعليقاً