أرامكو .. والأسئلة الآملة

خرجت بنا ـ مجموعة من الإعلاميين ـ أرامكو من مكاتبنا الصحفية والإعلامية، وقاعاتنا الدراسية، في رحلة سريعة إلى منشآتها العملاقة، حيث تمتد المعامل فوق الأرض ، بامتداد الحقول تحت الأرض، وبينهما يثب الشباب السعودي وثبات العزيمة والجد؛ ليأخذ مكانه الطبيعي في كل موقف عمل؛ صغر أو كبر.

كانت قاماتنا تنمو لحظة بلحظة؛ حتى أحسسنا بهاماتنا تلامس السحاب، وبخطواتنا تنقش الثرى وشوما ذهبية .. ونحن نرى شبابنا الطموح يتخطى عقدة الأجنبي، ويقفز على الأرقام، ويتجاوز الخطط الاستراتيجية عادية الطرح، ويبرهن أنه يملأ المكان الأكثر دقة وخطورة بقلب مرابط، ونفس واثقة مطمئنة.

الوطن الساكن في أفئدة عشاقه يرقص فرحا؛ وهو يشاهد أبناءه البررة يبتدرون زمام أكبر شركة بترولية عالمية، ويديرونها بأمانة وحب ومهنية عالية.

أينما توجهت الرحلة يدهشك الموقف؛ إمكانات عالية جدا، برامج مدروسة الجودة بشكل غير مسبوق وغير ملحوق أيضا، وعناصر بشرية مدربة تدريبا عالميا عاليا، وأداء لا يقبل غير منتهى الجودة.

كل شيء هنا يدعوك إلى التخلي عن الصور المختزنة لشركات ودوائر أخرى؛ لأن يصبح من الخلل المنطقي أن تسمح للخيال أن يقارن..!

ألم تر أن السيف ينقص قدره         إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

كانت الكلمة المتكررة في كثير من المواقع هي: هذه أكبر منشأة أكبر شاشة إلكترونية أكبر حقل أكبر مصفاة أكبر … في العالم !!! حتى قال أحد شباب ارامكو: ربما أكثرنا عليكم في التفضيل العالمي لمنشآت أرامكو .. لكننا لم نتجاوز الحقيقة.

وكان الانبهار الأكثر ملامسة لتخصصاتنا هو التعليم التدريبي في أرامكو؛ حيث استقبلنا أحد الكفاءات العالية من شبابنا السعودي الرائع؛ وأخذ يصف البرامج التدريبية التي تقدمها أرامكو لمن يلتحق بها؛ بحيث لا يدخل أي ميدان من ميادينها حتى يكون مؤهلا تأهيلا كاملا، بل يؤهل الطالب لغويا ونفسيا وحضاريا قبل أن يبعث إلى العالم الخارجي ليتلقى بعثة فن من الفنون؛ حتى لا يصدم هناك بأي مظهر اجتماعي أو فكري يصادفه هاك.. حتى حقق التدريب في أرامكو الترتيب الأول على كل مؤسسات التدريب المهني في العالم خارج الولايات المتحدة الأمريكية؛ بشهادة مؤسسات عالمية.

ومما زادني إعجابا بتدريب أرامكو تنمية التحدث الخطابي لدى طلابها، ففي وسط قاعات التدريب تتربع قاعة متميزة في تشكيلها، وأجهزتها وإمكاناتها تسمى نادي الخطابة، وتحظى من الطلاب بإقبال رائع، وكانت آثارها ظاهرة في إكساب الطلاب مهارة الخطابة، وشعورا رائعا بالثقة في النفس.

لقد كان كل من يتحدث عن أي برنامج أو عمل يقوم به أو عليه، يتحدث بلغة مشحونة بالعاطفة والجمال الروحي؛ إنهم يعرضون إنجازات الشركة بوصفها إنجازات لهم شخصيا، فعرفت أن هذه الروح الجماعية النادرة هي من أبرز عناصر نجاح هذه الشركة العملاقة، التي غرست حب العمل في نفوس أفرادها؛ حتى عشقوه.

كانت الأسئلة تنبت وتنمو وتتفرع في أفواه الصحفيين؛ ولا يستطيعون أن يلاحقوا الإجابات الفورية الواثقة التي يبثها المسؤولون بكل عفوية وجرأة ونشوة وفخر يتهادى على كفوف التواضع الجم.

ولكن السؤال الملح الذي ظل ظمآن إلى آخر لحظة في اللقاء الحلم الذي استمر أكثر من ست ساعات هو: لماذا لا تستنسخ تجربة أرامكو؟ ثم أنجب عنقودا من الأسئلة الحائرة الآملة: لماذا لا تصدر التجربة إلى خارج نطاقها؟ لماذا لا تنقل خبرتها في التعليم والتدريب والإنشاءات ورصف الشوراع وإضاءة الطرق ونظافة البيئة والسلامة المرورية وجودة الإدارة إلى الدوائر الحكومية .. لماذا لا يقام مؤتمر كبير نصف حضوره من أرامكو والنصف الآخر من كل دائرة ومؤسسة من مؤسسات الدولة بلا استثناء  … لماذا؟؟؟



اترك تعليقاً