هل يحقق القبول النجاح ؟

هل حقا.. أن كل ما يريده الشباب: مقعد في الجامعة، ووظيفة بعدها؟ وهل كل من ظفر بالمقعد الجامعي ظفر بالوظيفة؟

أظن أن السنة الأولى في المرحلة الجامعية تكشف وجها آخر من وجوه الاحتياجات الشبابية؛ لتحقيق النجاح الفعلي في الحياة لم يكشف عنه النقاب بعد.

يدخل الشاب أو الشابة في مرحلة قلقة، ويرفع درجة الطوارئ في المنزل، منذ أن يدخل السنة الثالثة الثانوية، من أجل الحصول على معدل عال؛ للوصول إلى مقعد دراسي في إحدى الجامعات، وما أن يصل إليه بعضهم، حتى يحصل له شئ غريب فعلا، حيث يبدأ العد التنازلي للهمة والجد والمثابرة، هنا ترتفع أصوات الأساتذة والمسؤولين في الجامعة، ربما بمشاركة من الآباء والأمهات، أو في غفلة منهم، يا بني ويا ابنتي: المعدل الجامعي تراكمي، والسنة الأولى أساس المرحلة كلها، عدم المتابعة مع الأستاذ معناه ارتكاس في الضعف العلمي، ومجافاة متعمدة عن التفوق الدراسي، بل قد تؤدي إلى الإخفاق في مواد، كل مادة تخفق فيها تنتصب معول هدم للمعدل على مدار السنوات الجامعية؛ لأنها حولت عدد ساعاتها إلى رقم أضيف إلى المقسوم عليه في المعدل لا يمكن إزالته. تتابع الغياب معناه الحرمان من مواد، ومعنى الحرمان انهيار المعدل، وإذا انهار المعدل تواترت الإنذارات الأكاديمية، وخسرت المقعد، وخسرت الوظيفة، وخسرت الفرصة التي حرم منها غيرك بسببك، وخسرك أهلك ووطنك وأمتك.

أتمنى أن تقوم وزارة التعليم العالي بإعداد إحصائية للسنوات الخمس الأخيرة؛ لتقف على حقيقة رهيبة؛ تشمل جداولها التالي: عدد الطلاب الذين تم قبولهم ودرسوا، عدد الطلاب الذين انتقلوا إلى المستوى الثاني بلا مواد، عدد الطلاب الذين انتقلوا بمادة واحدة أو اثنتين، عدد الطلاب الذين رسبوا في ثلاث مواد فأكثر، عدد الطلاب الذين سحبوا من الجامعة أو الكلية برغبتهم، عدد الطلاب الذين طويت قيودهم بسبب الإنذارات الأكاديمية، أو بأسباب تأديبية على أن تفصل الدراسة بين العددين.

ولتكن الإحصائية شاملة لكل الجامعات السعودية، ولتقم دراسة تحليلية خاصة بذلك. لا أريد أن أستعجل النتائج، وليس لي ذلك، ولكني متأكد بأن الخسائر فادحة، والجهود المبذولة من أجل شباب هذا الوطن أكبر من النتائج التي يحصلون عليها.

هذا ونحن نعلم بأن الطالب لا يدخل الجامعة حتى يمر بعدد من امتحانات القبول، أي أنه انتقي انتقاء من بين آلاف الشباب.

فلماذا؟

الجامعات والكليات ـ في تعاملها مع الشاب أو الشابة ـ مشغولة بالجانب العلمي البحت؛ بتهيئة الجو العلمي المناسب، وتقديم الدروس.

ولكن الجانب الأهم من العملية التعليمية، وركنها الركين، والذي من أجله أقيم المبنى، ووظف الأستاذ، وجرت أنهار الأموال هو هذا الطالب، فماذا قدمنا له ليتهيأ لطلب العلم، وليتفوق، وليس لينجح فقط؟؟

الطالب ليس عقلا فقط يمكن تخزين المعلومات فيه بأزرار حاسوبية، وإنما هو إنسان؛ يعيش في مرحلة حرجة من حياته النفسية، المستقبل الذي أمامه مستقبل قلق، غير مستقر، والمغريات والصوارف التي تحيط به من كل جانب وتتناوشه أوسع وأكبر من أن يستطيع مواجهتها وحده.

إنه يفشل أحيانا حتى في اختيار صحبته، ويجهل كيف يستثمر وقته، وقد لا يعرف أين شماله الحقيقي، حتى بعد دخوله الجامعة، ويعيش حالة من الخوف والاضطراب تؤدي به إلى شلل في الإرادة؛ فينساق وراء رغباته الهابطة، ويرضى بالدون، ويحكم على نفسه بالفشل؛ متناسيا أنه ربما حقق من قبل في المراحل التعليمية السابقة نجاحات تدل على كفاءته وقدرته حتى على التفوق، وليس على النجاح فقط.

والسؤال ما المواد المسؤولة عن معالجة هذه الأعراض؟ ما البرامج التدريبية التي عقدت له حتى تكشف نفسه له، وتجعله يفهم ذاته، ويصل إلى عمقها، ويستخرج اللؤلؤ المكنون في صدفاتها، كيف يمكن حل أزمات الشباب والشابات أول دخولهم الجامعة حتى لا يخسروا المقعد الذي قاتلوا ليصلوا إليه، ويخسروا أمل الوظيفة التي طالما داعبت أجفانهم، ويخسر الوطن كل ما بذله لهم.



اترك تعليقاً