استراتيجية الوقف الخيري

المراقب لمسيرة العمل الخيري المؤسسي في المملكة العربية السعودية، يشهد خلال هذه الإطلالة الجديدة لشهر البركة والجود، نهضة واسعة النطاق، تؤكد نمو الوعي داخل هذه المؤسسات في مجال تنمية الموارد، في احترافية تنافس القطاعات الأخرى، وتشي بمستقبل رائع، قد يصل إلى الاكتفاء الذاتي في الموارد، حين يحسن التخطيط، وتصدق النوايا، ويكلل بالتوفيق الرباني.

ليس هذا الأمر مبتدعا في العصر الحديث، ولا ابن تقدمه وتطوره، بل هو ميراث هذه الأمة العظيمة، ونظام أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم، وسار عليه الصحابة الكرام، فعن جابر رضي الله عنه قال: “ما أعلم أحدا كان له مال من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالا من ماله صدقة مؤبدة (أي وقفا) لا تشترى أبدا، ولا توهب، ولا تورث”.

والوقف بتعريف الإمام النووي رحمه الله تعالى: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته، وتصرف منافعه إلى البر تقربا إلى الله تعالى.

هذا التعريف أعطى الوقف الغاية التي ينبغي أن يتجه إليها، (البر) هذه الكلمة الجامعة الشاملة لكل وجوه الخير بلا استثناء، وبهذا فهم السلف وعملوا، فوجهوا أوقافهم إلى إقامة أعمال بل مؤسسات خيرية؛ لم تبق وجها من وجوه الحياة إلا داخلتها، بدءا بالمساجد، ودور العلم، وتعليم القرآن الكريم، ومدارسة السنة والحديث الشريف، إلى بناء الفنادق والخانات، لإيواء الغرباء بسائر المدن، والحجاج بمكة، وإقامة البيمارستانات، وهي المشافي، والتكايا، وفيها يوزع الطعام مجاناً على الفقراء، والأربطة في الثغور لمواجهة الأعداء، وعدد الجهاد والخيول، واستنقاذ الأسرى، وأربطة العلم، كرباط آل أبي بكر الملا في الأحساء، بل إن الوقف كان يحبس لإصلاح الطرقات والجسور والقناطر، وإنشاء المقابر والعناية بها، ومن يقرأ وثائق الأوقاف ليدهش من أنواع من الأوقاف على أمور هي أبعد ما تكون عن الذهن، ولكنها تتفق كلها على استثمار الوقف لسد الحاجة في أمر معين، وكلما كانت الحاجة ماسة في أمر ما، كان الوقف في مجالها أولى، ومن ذلك اليوم تأهيل الشباب للعمل والزواج، ونشر الفضيلة والعلم الشرعي، وإقامة الفضائيات والمواقع التي تخدم الدين والمجتمع، ونحو ذلك.

لقد كانت المؤسسات الخيرية في بلادنا ـ إلى وقت قريب جدا ـ تعتمد على الدعم الحكومي التشجيعي، وتبرعات وزكوات أهل الخير غير المقننة ولا المحددة ولا المضمونة، وكانت تعاني من قلق دائم على تأمين الموارد لمشروعاتها حتى تجدها، أو تعطل هذه المشروعات، حتى انبثقت فكرة الأوقاف من جديد، وسعدنا بأن نرى عشرات الأوقاف تعلن في وقت واحد، في الجمعيات والمراكز بل والجامعات كذلك.

إن المسلم الحريص على بقاء سجل حسناته في زيادة دائمة إلى قيام الساعة، عليه أن يبادر ـ قبل وفاته ـ إلى صدقة جارية، أو عقار موقف في سبيل اللـه على جهة خيرية تنفق ريعه في سبيل الخير، أو يسهم في تأليف كتاب نافع، أو يسهم في طبعه، أو نحو ذلك.

إن هناك جهات خيرية كثيرة في بلادنا تنتظر الوقف الخيري؛ لتقوم على يتيم أو فقير أو مسكين أو داعية في الداخل والخارج، أو لتنشر هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة الأسرية، أو تقوم على تعليم القرآن الكريم، أو تحارب عادة سيئة، أو تنشر الدعوة بين الجاليات، أو لإعانة الشباب على الزواج.

ومن البعد عن التوفيق أن يجعل الإنسان وقفه على ذكور أولاده الأغنياء؛ بقصد حرمان الإناث، فإن ذلك حرام شرعاً. أو فيما يؤول إلى خراب، كما هو حال كثير من الأوقاف التي نراها الآن؛ حتى أصبحت تمثل مشكلة حقيقية للبلديات، ولوزارة الزراعة، بل حتى للجهات الأمنية؛ حين تترك مهجورة، فربما استغلت أوكارا للشر وأهله.

لقطة/ خنقتني العبرة.. حين تقدمت امرأة بعشرة آلاف ريال، فور دعوة مركز التنمية الأسرية بالأحساء لوقفه الخيري، وهي تقول: “أحببت وأسرتي ألا يسبقنا منهن أحد.. عسى الله أن يرزقنا القبول”.



اترك تعليقاً