الأمن .. أعظم مكتسبات الوطن

تمر ذكرى الوطن لتوقظ في ذاكرة الجزيرة العربية قبل أكثر من قرن صورة أديم متمزق ، ودماء بريئة تخط على رمالها قصص الظلم وقطع الطريق وتزعزع الحياة ، وفجأة يظهر عليها فارس شاب ، يحتضن سيف العزة ورمح العزيمة ، مدرعا بأنوار الشريعة ، فإذا بالإهاب الممزق يلين له بعد شدة ، ويرق لإبرته الصبور ، فيخيطه بجلد وطموح يهزأ بالعوائق، فيلتقي البحران ، ويجتمع الشمل ، وترفرف راية التوحيد ، ويقام حكم الله على جزيرة الإسلام باسم : الممكلة العربية السعودية ؛ اسم حفرته على جبين التاريخ أيد رفعت كتاب الله وسنة رسوله شرعة ومنهاجا ؛ ويستقر الإنسان ؛ فيعطي ويعطي لتنمو الحضارة نموا مذهلا ، تخطى كثيرا من المراحل التي مر بها آخرون.

ومن أمن الداخل إلى أمن الأمة كلها انبثقت اهتمامات ملوك هذه الدولة المباركة ، فلا تكاد تعرف قضية إسلامية أو عربية إلا كان للملكة الدور الأهم في عودة الاستقرار إليها ، أو السعي في سبيل ذلك.

الأمن هو المكتسب الأول والأهم من مكتسبات الوطن ، والحفاظ عليه يجب أن تكون الأولية بالنسبة لكل مواطن ومقيم ينعم بخيرات الوطن ، نعيش  ذلك ونربي عليه أولادنا ، ولا نسمح لأحد أن يخترقه.

وفي هذه الفترة الحالكة من تاريخ الأمة الإسلامية ، والعدو المتربص يحدق بها من كل جانب ، ويتحين الفرص للطعن في معتقدها ، بل والتدخل في بنيتها الأساس ، وتغيير منهجيتها ، مستخدما كل وسائل الدمار والفتك ، والدبلوماسية الخادعة ، ويسفك دماء أبنائها في كل مناسبة تتاح له ، كل ذلك يتطلب من المجتمع المسلم تماسكا لا يتحمل الخلل ، وقوة في البناء لا تتحمل الضعف ، وترابطا بين الحاكم والمحكوم لا يقبل اهتزاز الثقة ، ولا القعود عن المشاركة في تدعيم الأمن ونشر أجنحته الظليلة الوارفة.

والأمن هو النعمة الكبرى التي امتن الله بها على عباده فقال عز وجل : { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [سورة القصص 57] ، وقال سبحانه : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ } [سورة العنكبوت 67] .

ونحن في هذه البلاد قد امتن الله علينا بهذه الجوهرة الثمينة ، والنعمة العظيمة ، فأمنا حين يخاف الناس ، وشبعنا حين يجوع الناس ، وسكنا حين يشرد الناس ، وشرفنا بالوقوف ـ بقدر استطاعتنا ـ مع إخواننا في جميع أنحاء المعمورة في كل عادية مرت عليهم ، أو يكون جزاء إحسان الله إلينا إلا الإحسان ، والشكر الجزيل على هذه النعمة الكبرى شكرا عمليا وقوليا ؟

إن التفريط في هذا الأمن ، وزعزعته في هذه البقعة المباركة التي تعد معقل الإسلام الأول ، ومأرزه الأخير، لهو عدوان على الإسلام والمسلمين في كل أنحاء الأرض، مهما كانت نيات من اشترك ولو بكلمة في إشعال فتيل الفوضى والقلق الأمني.

إن الوحدة قوة ، والفرقة عذاب ، يقول الله تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)} [سورة الأنفال 8/46] ، وغير خفي عن المسلم أنه لا يستقيم إيمانه ، ولا يحظى بهذا الوسام العظيم والشرف الكبير بانتمائه إلى هذا الدين الحنيف بحق ، إلا إذا حقق الطاعة المطلقة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، والتي تتبعها طاعة ولي الأمر فيما لا يتعارض مع طاعتهما.

وطني ـ ويا فخري ـ هو البـيت الذي

تـأوي إلـيـه المـكـرمـات وتنفق

عهدًا علينا بالكتابِ نصونُه

أن لا تذلَّ نفوسُنا أو تُزْهَقُ

 

سنظلُّ نحمي وَحْدَةً لعهودها

وفَّى الجُدودُ ، ولم يَخُنْها مَفْرِقُ

 

فمن الخليجِ إلى الحجازِ إلى تبو

كَ إلى الجنوبِ ، وثيقةٌ لا تُخْرَقُ

 

فدعي ـ بلادي ـ من ينِقُّ وأنشدي

فالفجرُ من خَللِ الظَّلامِ سَيَبْرُقُ

 



اترك تعليقاً