الأمير محمد أباً

“أشكر الله على أن والدي الأمير محمد”، منذ الوهلة الأولى للمختص في الشؤون الأسرية حين تقع عيناه على هذه العبارة التي فاضت على شفتي صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز آل سعود، يعلم بأن الإداري البارع الذي حقق نجاحا مبهرا خارج البيت الأسري، هو الأب الذي استطاع أن يحقق نجاحا مبهرا داخله.

فالرضا التام لدى الأولاد عن التربية الوالدية ليس سهل التحقق في إطار حياة رجل يتحمل مسؤولية إمارة تمتد من شمال الجزيرة العربية إلى جنوبها، في الخط الشرقي الأكثر سخونة، وأهمية عالميا وعربيا ومحليا.

إنه التوازن الذي لا يستطيعه سوى الموهوبين في إدارة الوقت، الذين لا يهملون شأنا من أجل شأن، ولديهم أجندتهم المكتضة بأعلى المهام، المرتبة أوليا بعناية فائقة، ذات شمولية في الاهتمام، وهو ما أكده الأمير تركي في حديثه.

إن كثيرا من المشاهير طارت بهم نجاحاتهم بعيدا عن الأسرة التي كان يجب أن تكون أول اهتماماتهم، فجمعوا وأوعوا، ثم عادوا إلى المحضن الذي ليس له غيرهم، فوجدوه أصبح عشا للدبابير!!

ولذلك فإن النجاح الذي يحققه الأب هو نجاح له شخصيا، أو لمن استفاد منه، ولكنه ليس نجاحا لأولاده حتى يكونوا أول المستفيدين منه، أما نجاح الأولاد فهو نجاح للأب بدون شك، لأنهم ثمرة عطائه وتربيته، بتوفيق الله تعالى وتسديده.

لقد انطوى اللقاء الإنساني الصريح مع سمو الأمير تركي يوم الثلاثاء المنصرم، على أصول تربوية غاية في الأهمية، أّذكر منها: حرص صاحب السمو الملكي الأمير محمد على تربية أولاده على الطاعة وفعل الخيرات؛ “وسموه يوصينا دائما وأبدا بأعمال الخير التي يقوم بها شخصيا، وهناك أعمال كثيرة لا يحبذ أن نذكرها مثل مساعدة المحتاجين وعلاج المرضى.. فهذه من الأشياء اليومية”.

إن الابن حين يرى ليس كما يسمع، فإن كثيرا من الخطب الرنانة التي نلقيها أمام أولادنا لن يكون لها أدنى قيمة إذا لم نتبعها بعمل، وإن نظرة إلى قول الله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين}، وقوله سبحانه: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها}، تشير إلى وجوب قيام الوالدين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين أولادهم، وهو ما تضمنته وصايا الأمير محمد الثلاث لأولاده: الصلاة، والعلم، وصلة الرحم، وحين ينشأ الولد على حب المعروف، تسري الطمأنينة والرحمة وحب الآخرين في مسارب نفسه، ويحب الخير لكل الناس، وإذا كان الأمير محمد هو رئيس مجلس إدارة جمعية البر بالمنطقة الشرقية، وأكبر داعميها، والحاثين على دعمها، فإن الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز هو رئيس مجلس أمناء مشروع كفالة الأيتام في الجمعية وأكبر داعميه، ومن شابه أباه فما ظلم.

ولتستكمل التربية الوالدية أبعادها، فلابد من متابعة المدرسة والجامعة شخصيا، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب، باحترام عميق لإنسانية الابن، فحين تراجعت درجات الابن اتخذ التأديب مجرى عمليا علميا، اتجه إلى التصويب لا إلى الإيلام واللوم الذين لا طائل من ورائهما، فكان أمام الابن أن يجتهد من جديد، ويعدل المسار لمستقبل ينتظر تفوقه، وإلا فإنه سيحرم من هواياته المفضلة لديه، فتعلم كما يقول سموه: “اجتهدت حتى لا أحرم من هواياتي وأذهب للبر، وعرفت وقتها أن الإنسان يجب أن يعمل ويتعلم كيف يقسم وقته بين الدراسة والأنشطة والهوايات”.

كما أن الأب لم يجبر الابن على اختيار تخصصه، وهو إشارة إلى الحرية المنضبطة التي يربي الأمير محمد أولاده عليها، التي تنشيء قادة ناجحين في اتخاذ القرار مستقبلا بإذن الله تعالى.

وهكذا يبقى الأمير الأب مدرسة في التربية والتنشئة الأسرية، كما كان ولا يزال مدرسة في الحنكة الإدارية والسياسية.



اترك تعليقاً