التقدم المرهون بالتفكير

كل مخلص لهذه الأمة لا بد أنه مشغول بقضيتها الكبرى؛ وهي تخلفها عن موكب الإنتاج إلى ركب الاستهلاك، ويتمنى لها أن تدرك الموكب المنطلق كمركبة فضائية لا تنظر إلا إلى السماء، فعلى من تقع المسؤولية؟ ومن الذي يمكن أن يسهم في بناء المركبة؟

بالطبع لست مبالغا حين سميتها قضيتها الكبرى؛ فإن التخلف المضروب على الأمة منذ أمد مرده إلى ذلك، مع مجموعة من الأسباب الحضارية الأخرى، أبرزها ارتخاء كفيها عن الإمساك بحبل الله المتين، واضطراب ساقيها على أساسات دينه القويم؛ وهي الأمة التي قادت الأمم في كل مجالات الحياة ردحا من الزمن حين لزمت أساس عزتها، وهي التي سلمت مفاتيح التقدم إلى أوربا بشهادتهم هم.

ولكن السؤال يلح على المرحلة الآنية مرة أخرى: على من تقع المسؤولية؟ ومن الذي يمكن أن يسهم في بناء مركبة الانطلاقة مرة أخرى إلى موكب الإنتاج؟

أعلم مدى خطورة السؤالين، وأن هذه السطور لن تستطيع أن تحتضن الإجابة، وأن الأمر يحتاج أن تتبناه مؤسسة كبرى معنية بهذا الأمر كمؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله لرعاية الموهوبين، أو وزارة التربية والتعليم، أو إحدى جامعات المملكة؛ ليكون عنوان مؤتمر تجمع له طاقات الأمة الفكرية والإبداعية؛ لتعد له الأبحاث، وتحدد الأهداف النهائية والمرحلية، وتوضع الخطط، وترسم آليات التنفيذ، وتوزع الأدوار.

ولعل هذه المقالة تحفز مخلصا لأمته في إحدى تلك المؤسسات العملاقة؛ ليكون رجل هذا المشروع الكبير، وما أكثر الرجال المخلصين لدينهم ولأمتهم ولأوطانهم.

ولكن سوف أتجرأ لأطرح إجابة تقرن بين السؤالين الماضيين.

لعل أبرز ما يمكن أن نقر به هو أننا ـ فعلا ـ متخلفون عن مرحلة الإنتاج مراحل، ولكن هذا الإحساس ينبغي أن يرحَّل من منطقة الإحساس المحبط، إلى مرحلة الإحساس المتحفز. فإن اتكاءنا على هذه القضية، ووصف أنفسنا بالتخلف لمدة تزيد عن قرن من الزمان، خرج أجيالا في أمتنا اقتنعت بأن الأمة متخلفة، ولا مجال لنهوضها مرة أخرى؛ وأنها حتى لو نهضت فالمسافة التي أمامها لتلحق بالموكب المتقدم بعيدة جدا، تحتاج لتدركه الزمن نفسه الذي خسرته خلال فترة كبوتها.

هذا الكلام المقنع لكثير من الناس لا بد أن يصبح ضمن ملفات الماضي التي يكتب عليها: للحفظ فقط؛ ليصبح مجرد تأريخ لنفسية الأمة في زمن من الأزمان.

وما ينبغي أن ننهض به الآن هو تحفيز الأمة بكل طاقاتها وإمكاناتها ومستوياتها إلى مرحلة لا ننتظرها بل نصنعها؛ مستعينين بالله تعالى.

فالمسؤولية تقع على جميع أفراد الأمة كما تقع على قادتها، وإن أي فرد سوف يتخلف عن هذا المشروع سوف يكون عقبة في طريقه، وعلى الركب الصاعد إلى قمة الموكب في فضاء الإبداع أن يوقظه أو يتجاوزه.

ليست المسؤولية منوطة بالأسرة وحدها، وإن كانت منطلق الأفراد.

وليست محصورة في مناهج التعليم، وإن كانت أساس النهضة.

وليست خاصة بالمعلمين المبدعين المدربين على التعامل الأمثل مع الطالب، وإن كانوا من أهم عوامل تنمية الإبداع.

وليست متوقفة على برامج تدريبية خاصة بالكشف عن المواهب وصقلها، وإن كانت وسائل علمية مجدية.

وليست متعلقة بمدى مساحة دوائر الحرية في التفكير والإبداع والتعبير فقط، وإن كان الإبداع والتقدم لا يتنفس إلا في جو من الحرية.

وليس حجم المعلومات هو الذي ينتج المبتكرات، وإن كانت المعلومات أساسا في التقدم والنماء.

وليست المسؤولية تقع على عاتق العلماء في كل التخصصات، والمفكرين، والإداريين في الوزارات والمؤسسات التعليمية والفكرية، وإنما هي مسؤولية كل هؤلاء بلا استثناء.

ونحن محتاجون أن نعيد صياغة عقولنا وعقول أطفالنا وأجيالنا المتلاحقة؛ لتتحرر من التبعية في الاستجابة العمياء لكل داع، إلى القدرة على التفكير الحر، والبحث عن السببية وراء كل أمر أو ملاحظة في الحياة؛ هذا هو الذي يصنع الإبداع، ويحرر الملكات، ويطلق المواهب، ويفك العقول من أحجال الاستكانة، ويحطم قيود الإحباط الشديد التي قيدنا بها أنفسنا.

حينها ستبدأ رحلتنا إلى الحياة الحقيقية، والدور العزيز للأمة الوسط، الشهيدة على الأمم.



اترك تعليقاً