الخطراوي والتجاهل المر

قبل حوالي شهر كنت على اتصال بالشاعر المبدع ، والباحث القدير ، والناقد المتمرس ، والمؤرخ الموسوعي ، والمحقق المجيد ، وأستاذ الجامعة المثابر ؛ الذي نال أعلى درجة في السلم الجامعي بجدارة الأستاذ الدكتور محمد العيد الخطراوي ، والذي يبدأ الآن رحلة الثمانين من عمره المديد إن شاء الله ، فبهرت من شخصية هذا العلم المدني الولادة ، المخضرم الثقافة ، المنوع التخصصات ، حيث يحمل ثلاث شهادات جامعية في الشريعة واللغة العربية والتاريخ ، وماجستير ودكتوراه في الأدب والنقد ، الذي تربو مؤلفاته على أربعين مؤلفا ، في شتى الفنون ، هو واحد ممن تجاهل التاريخ الثقافي المعاصر قدرهم ، وهمش ذكرهم ؛ كما يستحقون ، على الرغم من كونه واحدا ممن صنع الكيان الأدبي في بلادنا ، منذ أن كان من الأعضاء البارزين في أسرة الوادي المبارك الأدبية في المدينة النبوية ، التي نشأت قبل نظام الأندية الأدبية في المملكة ، وهو عضو مؤسس لنادي المدينة المنورة الأدبي ، ونائب لرئيسه ، وكان رئيسا لتحرير إصدار جامعة الملك عبد العزيز ( العلوم التربوية ) بكلية التربية لثلاث سنوات . وهو رئيس اللجنة الثقافية بفرع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ، بالمدينة منذ تأسيسه .

ومع ذلك فلم تسمع باحتفاء به سوى من الوجيه والأديب الحجازي        عبد المقصود خوجة ، ولو أن أحدا تقدم بدراسة شعره ، لوقفت القوانين الجامعية المتخلفة بالمرصاد ؛ لتقول : إنه لا يزال حيا ينتج ، ولما يكمل الثمانين بعد ، وكأنه قد ضرب على أعلامنا ألا يروا تكريمهم ، ولا ما يكتب عنهم ، وكأن التقويم النقدي الجامعي مهمته الوحيدة هي رصد الإنتاج ، وتكرار الأحكام السابقة مع إيراد نصوص جديدة لهذا الأديب أو ذاك ممن غيبهم الأجل فلم يستفيدوا من رؤية الباحثين وتقويمهم، وبهذا نزعت أهم ميزة للنقد ، وهي تطوير المبدع ، ولفت نظره إلى مواطن الإضاءة في أدبه ، مع تذكيره ببعض ما ينبغي تبرئة أدبه منه .

إن إسهامات الخطراوي تعدت ما ذكر إلى إسهامات ثقافية واجتماعية أخرى  لا بد من التذكير بها هنا ، فهو رئيس تحرير إصدارة ( الآطام ) الأدبية بنادي المدينة المنورة الأدبي منذ عام 1419هـ ، وعضو مؤسس لنادي الأنصار الرياضي ،       وله مشاركات عديدة في التلفاز والإذاعة السعوديين تقديما وإعدادا ، وحصل على جائزة أمين مدني في تاريخ الجزيرة العربية عام 1415هـ .

و( الخطراوي ) متمكن من لغته الشعرية يضع اللفظ حيث ينبغي له أن يكون ، فتأتي معانيه وأفكاره متساوقة مع ألفاظه ، كما أنه يملك حضوراً معرفياً جيداً ، وقراءة تاريخية متعمقة .. وهذا يدل على مدى الاهتمام الواسع من قبله باستحضار التاريخ والشخصيات الإسلامية على وجه الخصوص ، ثم القصص الشعبي والأساطير ووعيها وعياً مدركاً ، بحيث يكون توظيفها توظيفا فنيا راقيا غير مباشر .

والدكتور الخطراوي في دراساته النقدية يمقت الطريقة التقليدية في تناول المبدعين أو إبداعاتهم ، والتي تنشد من الشعر غرضه وموضوعه ، ويرى أن هناك خلطا كثيرا عند بعض  النقاد في وظيفة الشعر ، وأن هناك من لا يتعامل مع الشعر الحديث بالذات بتعاطف وود .. بل يتداخل معه بروح عدائية ، ويرى أن كثيراً من الدراسات لم تكن عن كيف صنع الشاعر قصيدته ..بل تبحث عن مقدار ما حققه من احتذاء للنموذج الراسخ في الأذهان ، بينما يرى أن بعض هذه الدراسات أيضاً وقعت في أَسْر المشهورين الذين يحيون في دائرة الضوء وأغفلت الآخرين .

هذا بعض ما استشففته من خلال مؤلفاته ، وخلاصة ما قيل عنه من نقاده ،  فهل ستلتفت إليه أعين القائمين على المهرجان الوطني ، أو الأندية الأدبية في المملكة ، أو أية مؤسسة ثقافية أخرى ؟



اترك تعليقاً