العاديون لا يصنعون شيئا ..

بتواضعه الجم، وبساطته المزهوة بقوة شخصيته وثقته الكبيرة في نفسه جلس المحتفى به: (الدكتور حسن بن فهد الهويمل) بين الجمهور المثقف؛ الذي احتشد من الداخل والخارج؛ ليشارك في تكريم الشخصية السعودية المكرمة بيد مليكها خادم الحرمين الشريفين.

كنت ـ ولا أزال أقول ـ إن النشأة العادية؛ التي لا نتوءات في خارطتها،    لا تصنع إلا إنسانا عاديا، لا يعيش إلا لنفسه، وكلما اطلعت على سيرة عظيم ترك أثرا في الحياة من حوله، وخلدته أعماله، وجدتها مضطربة مائجة، لا تستقر على حال واحدة؛ وربما لم ينل إجماع الناس على قبول ما يعمل؛ فإن من علامات العبقرية أن يختلف الناس حول صاحبها.

كل الشخصيات التي تسجل في قائمة الرواد في العالم نشأت في ظروف غير عادية، بل حتى التي نبتت في بيئة منعمة ـ وقليل ما هم ـ تمردت على هذه البيئة، وتلفتت يمنة ويسرة تبحث عن بيئة أكثر قدرة على صياغة الترب الذي في داخلها ذهبا يعج بريقا.

وهو ما شاهدته في سيرة الدكتور حسن الهويمل؛ حين فاجأنا الأستاذ سهم الدعجاني من على منصته في قاعة المؤتمرات بالرياض، بأن هذا العملاق لم يجلس على منضدة منتظم في كل مراحله الدراسية، بل كان منتسبا، أي أنه كان يعمل وهو يدرس، ويتحمل مسؤوليات كبرى كثيرة، لا يزال عدد منها يحظى بقيادته.

هذه العصامية التي تجعل منه أنموذجا نادرا في الزمن الذي نعيشه، بحيث لا تستطيع إلا أن تنسبه إلى جيل الرواد الذين لم تتيسر لهم سبل التعليم الأكاديمية التي تيسرت الآن، وحفروا دربهم بأظافرهم، والتحدي يشق الصخور التي تعترضهم.

والدكتور الهويمل ليس عاديا، وليس ((صاحب مزاج ثقافي معتدل)) كما قال الأستاذ الدكتور محمد بن مريس الحارثي، ، بل هو صاحب مزاج حاد كما أراه بعيني، و((خاص لم يكد ينازعه فيه أحد من جيله منذ أن استهواه الدرس الأدبي السعودي)) كما أضاف الدكتور الحارثي، وأتفق معه في ذلك.

ولم يبدأ الدكتور الهويمل ((كاتباً عادياً … له نتاج، أغلبه لا يلفت النظر، لأنه سار سيرة سارها من قبله كتّاب وأدباء)) كما قال صديقي الدكتور عبد الله الرشيد، بل إنه منذ بداية البداية كان كاتبا مختلفا، فقد تجرأ على نقد الشاعر ابن عثيمين رحمه الله، في الزمن الذي جبن الآخرون عن ذلك، وخرج برؤى مختلفة تماما عن كل النقاد قبله، ودخل مع كبار الأدباء والشعراء منذ بدايات كتاباته بنفس حاد، لا يعير فيه أحدا اهتماما يجعله يقول غير الحقيقة التي ظهرت له.

من يقرأ سيرة الهويمل يعلم بأن تكوينه لم يكن عاديا، بل إنه فتش عن ذاته مبكرا، وعرفها بدقة، وخط له دربا يعرف منتهاه، فقرأ حتى أصبحت القراءة له إدمانا، وواصل دراسته الأكاديمية حتى نال أعلى شهاداتها على الإطلاق، واندمج بحاضره، بحيث لم تلح في أفق العالم بادرة فكرية أو أدبية إلا لاحقها في مترجماتها، أو في الكتب العربية المتأثرة بها، وتتبع معتنقيها من العرب، ولا يمضي غير وقت قليل حتى نجده قد جهز فيها محاضرة أو نشر مقالة أو أصدر مؤلفا.

أمضى عقودا في رئاسة النادي الأدبي في القصيم فجعل منه منارة للفكر النير، ومنبرا للأدب الأصيل، قبل فيه كل تجديد لا يضر بدينه أو لغته، وحارب فيه كل إسفاف أو اختراق لهما باسم الحداثة والتجديد.

ودافع عن الأدب الإسلامي دفاع المؤمن، وأصبح رئيسا للمكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض، وقدم في إطاره عددا من مؤلفاته.

لقد كان تكريم الدكتور حسن الهويمل بيد خادم الحرمين الشريفين تكريما للكلمة الأصيلة، والنبع الإيماني المتدفق في روضة الأدب الإسلامي والسعودي.

والتواضع سمة الكبار، فحين كرمه نادي القصيم الأدبي تحشرج صوته وهو يبكي مودعاً زملاءه ومشدداً على أنه استأثر بالأضواء سابقاً إيثاراً وتجملاً من زملائه. وحين أشاد به المنتدون في الجنادرية، قال: ((دخلت وأنا أعرف نفسي بكل تفاصيلها، وسأخرج وأنا لا أعرف نفسي؛ لأني وصفت بما لا أستحق، وأعطيت من الملامح بما أنكرني ذاتي، وحقرت بها منجزاتي)).

أما حين وقف بين يدي المليك وهو يحيط عنقه بوسام الملك عبد العزيز من الدرجة الممتازة، فإن لغة الكلام تعطلت، حين تفجرت لغة المشاعر، كما يقول، ويضيف: ((لقد شعرت بالاعتزاز والفخر وأنا أصغي لرجل بحجم الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي كان يخلط الثناء بالنصيحة، والشكر بالاستنهاض، كان بودي أن تطول تلك اللحظات التاريخية؛ لأستكثر مما أسمع …)).

من أسراري .. لقد كنت أتمنى ـ وأنا في مطلع شبابي ـ أن أكون (نقديا) مثل الدكتور حسن بن فهد الهويمل حين أكبر .. لأنه الأنموذج الرائع الذي جمع بين سعة الثقافة، والامتلاء الفني بأدواته النقدية، والمضمون الإسلامي النقدي، وحبه لهذا الوطن.



اترك تعليقاً