بيت الحكمة في المملكة

أينما توجهت في رحلتك المستمرة لاستكشاف عالم المجد الإسلامي الغابر، ستجد ما يدهش ناظريك، ويسمر بؤبؤي عينيك طويلا، وينطقك بما يملأ فاك فخرا وعزا.

فإلى بغداد الذبيح وجه صدر فرسك، مثنيا عنها صَدَّام سيارتك، ارحل إلى دار السلام، لا إلى بغداد الحرب، لتتناسى صور أفواه الجراح وهي تصرخ بك دما، وتستمع ـ بدلا منها ـ إلى صدى صرير أقلام العلماء والمترجمين، في بيت الحكمة، الذي أنشأه أبو جعفر المنصور، الخليفة العباسي، الذي وعى عصره، وآمن بأن الحضارة لا تبنى بيد واحدة، بل لابد أن تشترك معها أيد أخرى، لها خبرتها وتاريخها، وشخصيتها، ومنحاها التفكيري، وبصمتها الخاصة، بل آمن بأن النماء البشري لا يتحقق إلا بالتراكمات العلمية، التي تسلسلت في أصلاب الأقلام، منذ عرف البشر سر القلم.

لقد أشرف المنصور بنفسه على الدار العلمية الجديدة، وجلب إليها المترجمين والعلماء، وأرسل إلى إمبراطور الروم يطلب منه بعض كتب اليونان؛ لأنه يؤمن بأن العلم إرث بشري، من حق جميع البشر سواء، فبعث إليه الإمبراطور بكتب في الطب والهندسة والحساب والفلك، فقام نفر من المترجمين بنقلها إلى العربية. وهو ما تواصل في عهد هارون وبلغ ذروته في عهد المأمون.

وبذلك كان بيت الحكمة خزانة كتب، ومركز ترجمة وتأليف، ومركزا للأبحاث ورصد النجوم، ومجمعا علميا ضخما، وظل البيت قائما في قصر الخلافة حتى اجتاح المغول بغداد سنة (656هـ = 1258م)حيث تم تدمير معظم محتويات بيت الحكمة في ذلك الوقت.

وها بيت الحكمة يولد من جديد في مملكة الإبداع، في عهد الملك المتطلع لغد عظيم لا لشعبه فحسب، ولكن لكل البشر، في ثوب جديد لم تعرفه الأرض من قبل، في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية.

إن رؤية خادم الحرمين الشريفين لهذه الجامعة واضحة جلية، من خلال كلمته التي دبجها بهذه المناسبة التاريخية، فالمنطلق هو نفع الناس ((خير الناس أنفعهم للناس))، والأساس هو “‘إحياء ونشر فضيلة العلم العظيمة التي ميزت العالمين العربي والإسلامي في العصور الأولى”  والسمة عالمية لا تعرف سحنة ولا لونا، فشجرة النسب فيها ذات أغصان علمية، وسند حديثي، يجمع أصحابه الاعتكاف في محاريب التجربة والتفكير العلمي المخصب بالإيمان.

“وستكون الجامعة باعتبارها (بيتا جديدا للحكمة) منارة للسلام والأمل والوفاق، وستعمل لخدمة أبناء المملكة، ولنفع جميع شعوب العالم، عملا بأحكام ديننا الحنيف”

والحب للإنسانية والإبداع والتجديد، هو الذي جعل الملك الواعي بدروب النهضة يستهدف تحقيق أحلام المبدعين، بإيجاد بيئة عملاقة تحتضن إبداعاتهم، وتخصب أفكارهم، وتستثمر قدراتهم، وتوفر لهم إمكانات بلا حدود، بل وتمنحهم فرصة الالتقاء من وجوه الأرض قاطبة، تقدر فيها أعمالهم، ويفرغون فيها للإبداع وتطوير الإنسانية، من هنا بالقرب من مهد الرسالة، ومهبط الوحي.

لقد رفع الملك الطموح نظره بعيدا لتكون جامعته مؤسسة لجيل بل أجيال من العلماء والباحثين، حيث يقول: “وإنني أرغب أن تصبح هذه الجامعة الجديدة واحدة من أكبر مؤسسات العالم الكبرى للبحوث وأن تعلم أجيال المستقبل من العلماء والمهندسين والتقنيين وتدربهم وأن تعزز المشاركة والتعاون مع غيرها من جامعات البحوث الكبرى ومؤسسات القطاع الخاص على أساس الجدارة والتميز”.

ومن أجل أن يستمر العطاء متدفقا قويا شامخا متواصلا، جعل عليها وقفا دائم الريع يديره مجلس أمناء مستقل، تتمثل فيه الإدارة الحكيمة والمسؤولة دعما لروح الإبداع التي تعبر عنها الجامعة.

إن هذا العمل الكبير يعد لبنة تاريخية في بناء الحضارة الإسلامية الممتدة من عهودها الأولى، حين استقدمت حضارات الأمم السالفة، وترجمتها، ثم هضمتها، ثم طورتها ونمتها، ثم أخرجتها عسلا مصفى لذة للشاربين. ارتادت بها عوالم جديدة للعلم والتقنية وفنون الطب والحكمة، أيقظت بها أوربا من سباتها العميق، لتتسلم الراية حين هبطت راية المسلمين.

فهل ستكون هذه الجامعة الحلم منطلقا جديدا لرحلة جديدة لأمة العلم لتمسك بزمام الحضارة القادمة من رحم القرن القادم؟!



اترك تعليقاً