تطور الخطاب الأسري

بقي الخطاب الأسري متواريا وراء الخطاب الاجتماعي ردحا من الزمن، مما تسبب في كثير من الخلل في معالجات فكرية واجتماعية، بل حتى أمنية، ولا يزال يوجد من يدعو لاستمرار بقائه هناك، بين قائمة طويلة جدا، لن يكون له من بينها سوى التفاتات يسيرة جدا، لا تكفي ـ أبدا ـ لملاحقة المتغيرات الطارئة عليها.

وفي الآونة الأخيرة قفز الخطاب الأسري قفزة رائعة، جعله من بين أكثر الخطابات قيمة وأهمية، حين أطلت ظواهر كانت قيد الكتمان، أو أنها لم تكن قد وصلت حد الظواهر.

لقد أصبحت القضايا الأسرية، والطرح العلمي والتشريعي والتنفيذي في مقدمة القضايا التي تحظى باهتمام خاص من لدن خادم الحرمين الشريفين، وأصحاب السمو الأمراء، والمعالي الوزراء، والجامعات، والهيئات العليا، ومجلس الشورى، إنها العودة إلى أصول القضايا، وجذور المشكلات، للسيطرة على كل الندوب والبثور التي تؤذينا.

هل نطرح الموضوعات الساخنة في القضايا الأسرية ذات العلاقة بالجنس؟ أم نسكت عنها، ونظل ننزف مالا ووقتا في علاج ظواهرها وقضاياها الفردية؟

أكل هذا السؤال من حلقة (زنا الأقارب) من برنامج (بدون إحراج) في قناة (الرسالة) معظم الوقت، وكنت أتمنى ألا يتعدى على الأهم من المحاور، ولكن يبدو أن هناك من لا يزال يراوح في موقعه، ويشك في أهمية طرح هذه القضايا على الهواء، مستمرا في تجاهلها؛ حتى ولو تكاثرت تلك القضايا في دوائر الإهمال!!

إن التردد في طرح موضوعات حساسة مثل هذا الموضوع، جعل عددا من الانحرافات المتصلة بالناحية الجنسية بالذات تنبت، ثم تتمرد على المحافظة التي لا تزال سمة ظاهرية لبعض المجتمعات، ثم فجأة تبدو بقوة، وتعلن وجودها، بعد أن أصبحت ظاهرة عصية، اجتمعت لها أسباب الحياة الدائمة حتى يأذن الله بتقلصها، وانزوائها.

ومثل هذه القضايا السيئة، تكون عادة كريهة الذكر، تند عن الذوق، ولذلك يرفضها المستمع لأول وهلة، ثم يقتنع بضرورة طرحها، ولذا فلا غرابة حين عُرض علي الموضوع لأول مرة أن ينبو حسي عنها، فأتردد في طرحها؛ لأني ابن هذا المجتمع العربي، أنتمي إلى عصر مخضرم، نشأت فيه على الستر والصمت والانكفاء وطي الأوراق!!

وكان لا بد للعلم أن يبدل تلك المفاهيم المتهمة بالتسبب في تفشي بعض الظواهر!!

من كان يتوقع أن يقف المختصون في الأسواق العامة لينشروا الثقافة بخطورة (الابتزاز الجنسي)؟

من كان يتصور أن يسمح المجتمع المدرسي بطرح قضية الشذوذ الجنسي، وخطورتها البالغة على الأطفال، في المدارس الابتدائية؛ حتى لا يكونوا ضحاياها؟

من كان يظن أن المتصلين العرب من كل أنحاء العالم يتداخلون بكل أريحية وصراحة؛ ليحيوا طرح هذا الموضوع ويؤكدوا أهميته الكبيرة، وأن المحيط الأسري الذي يعيشه مَنْ حولَهم، يحتاج بالفعل التنويه والتنبيه على هذه القضية الفظيعة؟!

إن الأرقام بدأت تتصاعد في الجرائم غير الأخلاقية في البيئات المسلمة، بعد أن طفحت في البيئات غير المسلمة، ولا يزال يوجد من يقول: توقفوا.. لا تنبهوا أطفالنا الغافلين عن هذه الأمور، ولا تطرحوها على الهواء..!!

وأظن أن أطفاله باتوا أكثر اطلاعا منه على هذه القضايا، ولكن من مصادر موبوءة، حيث تطرح صوتا وصورة في أدنى مستويات صورة الشبق الحيواني لا البشري، وهناك تقع الكوارث، حيث تبين بأن كثيرا من حالات زنا الأقارب تقع في ذلك المربع البائس، بعد أن تتسع أحداق المراهقين وهو مبهورون بما يشاهدون داخل بيته المحافظ؛ دون علم منه.

فهل سيظل أولئك يرفعون الكرت الأحمر في وجوهنا؟! وحتى متى؟



اترك تعليقاً