ثقافة التضحية

قبل مدة يسيرة، احتفلت بلدة الطرف بالأحساء بواحد من رجالاتها، ورمز وطني متميز من رموزها، لم يتقن فن الظهور كما يفعل المتسلقون على قامات النخيل الصامتة، ولكنه أتقن (ثقافة التضحية)، ومهارة (الصمت الفاعل)، ترك الثرثرة والخواء الاجتماعي لمن لا يتقن غيرهما، وراح بصبر ودأب يتدرج في سلم العمل الاجتماعي التطوعي حتى تقلد منصب رئيس لجمعية الطرف الخيرية، ثم ترجل عنها بعد أكثر من خمس وثلاثين سنة، فوقفت البلدة الرائعة، المائجة بأعناق العمالقة في كل فن، بصغارها وكبارها؛ لتقول له بكل وفاء وصدق ومزيج من الدمع الفياض بالحب: شكرا يا أحمد.

ليثق القارئ أنني لم أكتب هذا المقال لأضيف شيئا إلى شخصية الأستاذ أحمد العكروش، ولكن لأقف مع الدكتور سعد الناجم في كلمته حين قال: ” لن أستطيع أن أوفيه حقه كابن بار لهذه البلدة؛ لأن في زماننا ـ رغم كل الثراء المادي ـ تغيب ثقافة التضحية المادية والجسدية عند بعض الأفراد؛ لكون العتمة تغلف بعض القلوب والعقول؛ فتشغل بالدنيا، وتجري خلف مصالحها، وبظنها أن الناس كلهم جبلوا على ذلك، ولم يدركوا أن الله سبحانه وتعالى يسخر بعض البشر وطاقاتهم على الدوام لخدمة إخوان لهم في مختلف مناحي الحياة؛ مهما لقوا من جفوة وسلبية وعدم اكتراث”.

إن أولئك الشامخين يحركون بصمتهم الرائع، قلوب الصخر فيحيلوها جنات نابضة بالحياة، ترفرف فيها الشحارير، وتغرد فيها الأغصان، وتتبختر فيها النخيل، وينعم فيها كل من يقيل فيها أو يأوي.

قتلوا فيروسات الشهوة المريضة في نفوسهم، فعاد المدح والذم في نفوسهم سواء، يرمقون من يستمتعون بسرقة الجهود، ومن يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، أو من يصل بهم الأمر إلى محاربة النجاح إذا صنعه غيرهم، يرمقونهم بطرف مشفق عليهم، وعلى حياتهم التي تصرمت دون إنجاز حقيقي. أما هم فقد تعلقت نفوسهم بمن يعلم السر وأخفى، وكل همهم أن يتحقق الخير سواء أكان على أيديهم أم على أيدي غيرهم.

إن العمل الإنساني والاجتماعي ميدان رائع لتوظيف الطاقات المتميزة، المستعدة للبذل والتضحية، ولكنها معطلة لعدم وجود فرصة لها، أو عدم قدرتها على صناعة الفرص، إنها ـ كما يقول الدكتور المفكر عبد الكريم بكار ـ: “تنتظر الشخص المبادر الذي يبني إطارا للعمل، أو يفتح حقلا جديدا للممارسة، ومن أجدر بهذا ممن يعني قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) رواه مسلم.

إنه الواحد الذي تتضخم عن يمينه الأعداد، بل تجد قيمتها حتى الأصفار.

وهنا تأتي قيمة روح المبادرة، ورفع الراية، والذي تشير إليه قصة الحديث السابق، والسياق الذي ورد فيه، حيث جاء قوم حفاة عراة متقلدو السيوف، كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فكان مما قال: تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، ثم تتابع الناس، قال الراوي: حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن في الإسلام … الحديث”. فلو نظر بعض القوم إلى بعض بسلبية؛ لما تحركت هذه الأريحية في النفوس، وتتابع الخير.

إن مجتمعنا في أمس الحاجة إلى مشروعات إنسانية كثيرة؛ لتعالج أمراض العصر الطبية والنفسية والاجتماعية، والخير فيه أصيل، ولكن الأجر الجزيل سيكون لمن بادر بإخلاص، وأنكر ذاته، وفتح للناس بابا من أبواب الخير يلجون منه إلى جنات عرضها السماوات والأرض. لا سيما أننا ننعم بأمن وطمأنينة ورخاء عيش، وإمكانات وطاقات، ودولة مشجعة وراعية لكل مشروع ومبرة وإحسان.



اترك تعليقاً