التعليم وخطوات جادة

سوف نظلم وزارة التربية والتعليم حين نقول بأن العملية التطويرية للمناهج بدأت الآن بعد أية ضغوط نتخيلها، لأن الحقيقة هي أن المناهج لم تكن ثابتة، وأن التغيير كان يهاجمها طوال رحلتها التي زادت عن ستين عاما، ولكننا سوف نظلم الأجيال المتلاحقة إذا قلنا إن ذلك التطوير كان متواكبا مع تقدم العلوم أو مناهج التدريس الحديثة، بل المتسارعة في النمو والتقنيات.

ولكني أحب أن أقف مع الإنجاز والمحاولات الجادة، مهما كانت نتائجها، وقد أعجبني في البدء التفكير في جدول الأستاذ قبل المناهج، فالمعلم الذي يزدحم جدوله اليومي بالمواد حتى لا يكاد يجد فسحة أو راحة، لا نتوقع منه سوى أن يكون مضطرب النفس، غير هانئ بعمله، وربما ازداد استعداده النفسي للغضب ومن ثم التعامل الفظ مع الطلاب، وهنا سوف يفقد الطلاب أهم منطلق للاستفادة من أستاذهم؛ وهو التوافق النفسي بين الطرفين، {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}، ولكننا لن نلوم المعلم كثيرا إذا كان سيخرج من فصل ليدخل آخر خمس مرات في صباح واحد. كيف سيفكر؟ وكيف سيبدع؟ بل كيف سيجهز مادة إلكترونية أو وسائل إيضاح؟ كيف سيلتقط أنفاسه بعد كل حصة ليستعد لمادة أخرى في الفصل الذي يليه؟ وكيف إذا كان الفصل قد ضم بين شدقيه أكثر من أربعين طالبا أو طالبة؟! حقا إن الوزارة تستهدف أن تصل بالعدد في الفصل الواحد إلى (25) في المباني المستأجرة، وبحد أقصى (35) طالبا في المباني الحكومية، ولكن الواقع ـ في عدد من المدارس ـ أكثر من ذلك، على الرغم من محاولات التطبيق المقدرة والمشكورة.

الإيجابية أن الوزارة بدأت تفكر في مقدار الحصص التي تتناسب مع طاقة المعلم ليكون منتجا، لا ليسد الفراغ وحسب، حتى وصل التفكير إلى ثماني عشرة حصة في الأسبوع، وعائد ذلك سوف يجنيه الطالب والعملية التعليمية كلها بإذن الله، حين يحسن المعلم الاستفادة منها.

وإذا أصبح النصاب للمعلم ثماني عشرة فقط، وأصبح الفصل خمسة وعشرين طالبا وطالبة، وتوج ذلك بتأهيل الفصول بالتقنية التعليمية المتطورة، فإن البيئة التعليمية تكون قد تأهلت إلى حد كبير، مما نتوقع له نتائج على المخرجات، وارتفاع مستوى الطلبة علميا، واستعدادا ذاتيا للتأهل لدراسة جامعية ناجحة بإذن الله.

بل إن تقليل النصابين (المعلم والفصل) سوف يؤدي إلى مزيد حاجة لتوظيف معلمين مؤهلين كذلك؛ مما يفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، وإتاحة فرص توظيفية لآلاف المنتظرين والمنتظرات.

ومما سرني كثيرا الخطوة الرائعة التي أقدمت عليها الوزارة، حين طرحت عددا من المناهج الجديدة كالتربية الأسرية للبنات، أو المناهج المدمجة دون المساس بعدد ساعاتها مثل لغتي، ولكل من المنهجين وربما غيرهما وقفات خاصة إن شاء الله في مقالات خاصة، مما يمليه الواجب على الكاتب.

ولكني هنا أشير إلى أن قرار تدريس التربية الأسرية في المدارس كان نتيجة لدراسات عديدة، وورش عمل، ومؤتمرات أكدت أن المجتمع في أمس الحاجة إلى الالتفات القوي إلى الأسرة؛ لحفظ كيانها من التصدع، ووقايتها من المنغصات، لتبقى حارسة على الطاقات الإنسانية التي تنشأ في محيطها، ولا شك أن المواد الدراسية هي أولى الوسائل لتعليم الجيل وتدريبه على المهارات المتعلقة بالأسرة.

ولذا فإن مثل هذه المادة يجب أن تقدم بأسلوب تدريبي، لا تلقيني، وأن يؤهل معلماتها قبل أن يقوموا بأدائها لطالباتهن، وألا يكون حظها من الدرجات أقل من حظ المقررات الأخرى؛ حتى تؤخذ بجدية كاملة، وأن يركز فيها على المهارات الحياتية والتعامل مع الطرف الآخر داخل الأسرة، والتعامل مع المشكلات.

كما أن الطلاب ليسوا بأقل من البنات حاجة إليها، فلماذا لم تقرر عليهم، والرجال هم أهل القوامة والقيادة في الأسرة، ولكن الظن أن الوزارة قد أرجأت ذلك بعد التجربة التي تجريها على البنات .. والله المستعان.



اترك تعليقاً