رؤى مستقبلية في العمل الأسري

في قاعة مركز الأمير سلمان الاجتماعي في الرياض احتفت إدارة الاستشارات الأسرية في وزارة الشؤون الاجتماعية بأول مناشطها العلمية، جمعت المختصين والميدانيين في مجال خدمة الأسرة، في حلقة نقاشية واحدة، ظهر من خلالها حاجة كل من الطرفين للآخر لتحقيق الهدف الكبير؛ وهو أمن الوطن من خلال أمن الأسرة النفسي واستقرارها.

كان الموضوع الأساس للحلقة (واقع الإرشاد الأسري في المملكة)، وبدا من خلال طرح الأوراق الكثيرة التي غص بها الوقت، أن ثمة مشكلات إدارية، وأخرى علمية، تحتاج من الوزارة تكثيف الاهتمام بها، فالحلقة انتهت بعرض وجهات نظر متباينة لم يتم الاتفاق التام عليها، أو حتى إقرار التوصيات الخاصة بها، والعاملون في المجال الأسري في الميدان لا يزالون يحملون قضاياهم الملحة، والتي ينتظر من الوزارة تخصيص حلقات نقاشية خاصة بها؛ أجملها فيما يلي :

أولها: ميدان خدمة الأسرة من حيث؛ تنمية علاقاتها وثقافتها الأسرية، ووقايتها من الخلل والتشتت والانحرافات والانفصام العاطفي أو الكلي، وعلاج مشكلاتها بكل أبعادها أصبح ضروريا جدا لحماية المجتمع كله من حدوث الفجوات المربكة لأمنه ونموه وتطوره. بينما المؤسسات التي تخدم هذا الاتجاه لا تزال أقل طاقة من القدرة على تحقيق هذا الكبير، والجهة المسؤولة عن ذلك وزارة الشؤون الاجتماعية، فما خطتها الفعلية لزيادة طاقة تلك الجهات الخيرية أو دعم المؤسسات الخاصة التي تشترك في تحقيق الهدف نفسه للمجتمع؟

ثانيها: الجهات الخيرية التي تخدم هذا الميدان بدأت في النمو والصعود منذ سنوات قليلة لا تعدو خمس سنوات، وواضح جدا تزامنها مع تزايد آفة الإرهاب داخل الوطن التي أقلقت كل فرد فيه، حيث يرى المخلصون لبلادهم أن محاصرة هذا الداء تكون من خلال استصلاح الأرض التي ينبت فيها، فهؤلاء من أبناء الوطن بلا شك، وفساد الرؤية لديهم، واختلال التصور الذي دفعهم للزج بأنفسهم في نفق مظلم جاء بأسباب كثيرة كان من بينها الخلل التربوي، وضعف العلاقة الوالدية بهم، ولذلك فإن بث الوعي الأسري بقيم التربية الإيجابية يبعد الخيار العنيف في المعاملة مع الأولاد، ويوثق الصلة بين الأب وابنه، فيجد في أبيه القدوة المثلى، بحيث لا يستمع لمن يغرر به، أو يستجره إلى ما لا تحمد عقباه.

ثالثها: إن هذه الجهات الخيرية غير الربحية، والجهات الربحية التي تخدم هذا الجانب الأهم في حياتنا ليس بينها أية صلة، بل هي مجهولة حتى فيما بينها، بينما هي ليست كثيرة جدا بحيث يصعب تعرف بعضها على بعض، ولكن لعدم وجود رابط بينها. وقد تفاجأ المنتدون بمركز خدمة في إحدى مدن القصيم يعد أول مركز لخدمة الأسرة في المملكة حيث أسس عام 1416هـ، ولديه تجربة ناجحة في هذا المجال، فمن الذي يقوم بدور التواصل بين هذه المراكز؛ من أجل تبادل الخبرة، والمشروعات، والمطبوعات، ونحوها؛ لتوفير الجهد والوقت والمال؟

رابعها: مؤسسات الأسرة في المملكة تحت مسميات عديدة، وتتبع لمرجعيات مختلفة في الوزارة، فلماذا لا تدرس الوزارة هذه القضية؛ بحيث يرى مدى فائدة جمعها تحت إدارة الاستشارات الأسرية التي استحدثت أخيرا في الوزارة، وتسمى جميع هذه المشروعات في أنحاء الممكلة بمسمى واحد على سبيل المثال: (مركز التنمية الأسرية). وتوضع لها أنظمة وخطط ولوائح تناسبها في ظل المتغيرات الحديثة.

خامسها: أكثَرَ المختصون في المجال النفسي والاجتماعي من اعتراضهم على دخول غير المختصين في ميدانهم، بينما ارتفع صوت الدكتور عمر المديفر بضرورة وجود غير المختصين المؤهلين بدورات تدريبية خاصة في الميدان؛ لأنهم أثبتوا نجاحهم، ولأن مجتمعنا سوف يبقى في حاجة ماسة إليهم ربما إلى مئة سنة، فإن الحاجة أكبر من أن يغطيها عدد قليل من المختصين، في الوقت الذي أغلقت فيه الجامعات بعض الأقسام العلمية في علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية وعلم النفس.

والسؤال: لماذا لا تنهض وزارة الشؤون الاجتماعية بصناعة المختصين في مجال الإرشاد الأسري، من خلال إيفاد عدد من الدارسين للخارج، أو فتح أقسام خاصة يدخلها المتميزون في دراستهم، وليس المدفعين بالأبواب الذين لم يجدوا من يقبلهم، أو تبني تطوير المرشدين الأسريين في العمل الخيري بالاتفاق مع الجامعات بفتح مجال تطوير ملكاتهم وخبراتهم بدبلوم أو ماجستير أو حتى دكتوراه في اختصاص الإرشاد الأسري.

تلك بعض الرؤى التي أجد من الأهمية بمكان أخذها مأخذ الجد من أجل خدمة الفرد والأسرة، ونشر الأمن النفسي والسعادة في داخل بيوتنا.



اترك تعليقاً