أبحاث جريئة

واجهت أبحاث الدكتور محمد بن إبراهيم السيف المجتمع السعودي بما سكتت عنه أقلام كثيرين، ظنا منهم بأنه من الحسن ألا نتحدث عن مجتمعنا إلا بوصفه مجتمعا ملائكيا لا يذنب، محافظا لا يخطئ، طيبا لا يسئ، وتلك المغالطات تركت الفرصة لأخطاء جسام تفرخ تحت بشرته الجميلة، حتى بلغت بعض المشكلات حد الظاهرة المخيفة.

تعرض الدكتور في ثلاثة كتب متوالية إلى ثلاث مشكلات كبرى؛ الحرمان العاطفي، والطلاق، والتربية الجنسية. نجح ـ بذكاء واقتدار ـ في انتقائها، ورصدها، وتحليليها. وكشف عن قدرة متميزة في الانتقال من تشخيص الداء إلى وصف الدواء، ووضع بين أيدي أولياء الأمور والباحثين والمستشارين والخطباء والكتاب والأدباء مادة أزعم بأنها فريدة بحسب اطلاعي، لا يوجد لها مثيل، ولا يستغني عنها مخلص لهذا المجتمع الغالي.

وإذا كانت عدد من الجهات الأمنية في بلادنا تبذل المليارات لمعالجة المشكلات، وقمع الجريمة، وملاحقة المتورطين، فإن هذه المشكلات هي السبب الأول في نشوء تلك المشكلات، وتطورها إلى جرائم بلا شك. وإذا عانت المحاكم ومستشفيات الصحة النفسية والعضوية من تزايد المشكلات وتعقدها، فإن معظم مشكلاتها ناشئة عن هذا الثالوث، وإذا امتلأت الحياة بالقتام، وأقفلت في وجوهها أبواب السعادة فإن من أبرز الأسباب تلك القضايا الخطيرة التي طرحتها هذه الدراسات الرائعة.

إن نظام الحكم السعودي يقرر رسميا بأن الأسرة هي الخلية الرئيسة للمجتمع، ولذلك يجب العمل على شد أواصرها، وزيادة وعيها بأهمية بقاء الرباط الزواجي المقدس قويا صلبا في وجوه الرياح العاتية التي قد تحاول زعزعة أطناب خيمته الضافية، بل لا بد من تقرير أهمية قيام الأسرة بواجب التربية كما ينبغي شرعا وعلما، وليس عرفا فقط، إذ اعترى العرف كثيرا من الخلل خلال مسيرته المتنقلة منذ حوالي قرن من الزمن.

لقد طرحت هذه الدراسات أرقاما تضع الحقيقة بين عيني الغافلين، وتشير بالأصابع الخمسة إلى مكامن الأمراض الاجتماعية الأكثر فتكا، دون أن تجرم من المجتمع.

فالحرمان العاطفي تسبب في دخول أكثر من 86% من عينة البحث سجون النساء، بينما القضايا المادية الأخرى أقل من 14%. والطلاق استشرى حتى فاق 40% نسبة لعدد المتزوجين في عاصمة البلاد، والجنس الشرعي يتردى ليصل مستوى الفشل في المتزوجين إلى 40% من الرجال والنساء، بأسباب اجتماعية ونفسية أكثر منها أسبابا عضوية. وأن 80% من النساء غير راضيات عن علاقاتهن الجنسية مع أزواجهن، ومع ذلك لم يقمن بالحوار مع الزوج حول هذا الموضوع؛ لأسباب تعود إلى فشل التربية الجنسية التي تلقاها الرجال والنساء، علما بأن 80% من المشكلات الزوجية عموما تعود إلى تلك العلاقة المضطربة.

ولعلنا نصدم بنتيجة دراسة علمية أقيمت عام 1428هـ على المدراس الثانوية، ذكرت أن 82.7 من الطلاب لديهم انحرافات جنسية مختلفة، وذكر غالب الطلاب أن المعلمين والمرشدين الاجتماعيين وحتى المقررات الدراسية كان دورها ضعيفا جدا في الوقاية من المشكلات الجنسية أو معالجتها.

أليس من الخطير جدا أن تنشط العلاقات المحرمة وتفشل العلاقات الشرعية؟! لماذا نتوارى خلف الحقائق؟ ونضعف في مواجهة أنفسنا لنعالج الجرح قبل أن يتفاقم؟!

إن من الواجب الشرعي والوطني أن تتحول توصيات هذه الدراسات إلى مشروعات وطنية كبرى، تشمل كل مدينة وقرية وهجرة، تنهض بها كل جهة ذات علاقة بها، وتوجه إلى كل فرد في المجتمع؛ أب وأم، زوج وزوجة، ابن وبنت. سواء أكان طالبا أم موظفا، متزوجا أم عزبا.

ومن المقرر أن الاستقرار الجنسي والنفسي والاجتماعي يعود إلى التربية الشرعية القويمة. ويعود على الإنتاجية الوظيفية والحياتية بمزيد من العطاء والجودة.

جزى الله المؤلف عن كل فرد في بلادنا كل خير، وشكر للجنة الإصلاح الأسري في صندوق إقراظ الراغبين بالزواج بمحافظة عنيزة ـ مبادرتها، وأهنئها بسَبقها العلمي لطباعة هذه الأبحاث القيمة، التي ستخلدها في السجل الذهبي للمجتمع السعودي .. بإذن الله تعالى.



اترك تعليقاً