لا يخلو مؤمن من منافق

يؤذيه، هذا من كلام أشبه الناس كلاما بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ الحسن البصري رحمه الله، وهو يصف معاناة المؤمن اللذيذة؛ وهو يتقدم في دروب النور والفضيلة، يفوح بالخير بين الناس ويضئ لهم السبل؛ يرشد ضالا، ويعين محتاجا، ويفرج عن مكروب، ويقيل عثرة كريم، ويسد خلة صديق، ويستل سخيمة حاسد، ويرأف بمأزوم، ويجلو غمة مهموم، ويحذر من عدو، ويسخر كل ما أوتي من نعم ليشترك الآخرون معه في التنعم بها بكل أريحية وحب، وهنا يتحقق له قول الإمام محمد بن واسع: “إذا أقبل العبد على الله أقبل بقلوب عباده عليه”.

فإذا كان هذا شأن هذا الإنسان فلماذا يجد العوائق في طريقه؟

ربما ليجد لعمله حلاوة، وليتجدد في نفسه معناه، وليشعر بألم النجاح، فلكل متعة ألم، كما أنها الطبائع التي تحكم الناس، فالخامل لا يعمل ولا يطيق أن يرى أخاه يعمل؛ والحاسد مكبل بحسده، فهو يموت كل يوم حين يرى محسوده يتقلب في نعمة العطاء، وهو مشتغل به، بل بكثير من أمثاله؛ وكأنها مهنة امتهنها، سخر لها طاقته، وإبداعه، وأمواله وأوقاته؛ حتى تمر به السنوات، ويشيب شاربه، وهو لم يحقق طموحا، ولم يبن مجدا، ولم يؤسس خيرا، بل أسس عداوات وتاريخا من المشكلات، حتى تحتاج معالجاتها إلى مناسخات!!

ولكن المؤمن لا يبالي بمن شتمه، كما أنه لا يغتر بمن مدحه؛ لما شتم رجل سلمان الفارسي قال: “إن خفَّت موازيني فأنا شرٌّ مما تقول، وإن ثقُلت موازيني لم يضرَّني ما تقول” كان همه مصروفا إلى الآخرة، فلم يتأثر قلبه بالشتم؛ هكذا علق أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى.

كما أن الحصيف لا يستثير عداوة أحد، يقول ابن الجوزي: “مما أفادتني به تجارب الزمان أنه لا ينبغي لأحد أن يظاهر بالعداوة أحدا ما استطاع؛ فإنه ربما يحتاج إليه مهما كانت منزلته، ولقد احتجت في عمري إلى ملاطفة أقوام، ما خطر لي قط وقوع الحاجة إلى التلطف بهم”.

قال ابن بطال رحمه الله: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة”.
بل هو ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيحين ـ “يَا عَائِشَةُ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ أَوْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ”.

وأما الإمام الحافظ الذهبي فيقول:”كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبه به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، ما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرا من الأعصار سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين”، وهو ما جعله من أنصف مؤلفي السير، فلم يمر به رجل إلا وضعه في موضعه.

والذي يجب أن نبحث عنه هو كيف ننقذ الحاسدين من ذوي الهمم العليا والكفاءات المتميزة؛ حتى لا تضيع طاقاتهم هدرا، وتخسرهم الأمة، كما خسروا أنفسهم.

والتشخيص الأولي يشير إلى أن كل زمن فيه أعلامه، وفيه حاسدوه، ولكن إذا كثر هذا الأمر، وأصبح ما يشبه الظاهرة، فإن من حق مثل الأستاذ أحمد أمين أن يقول: “إذا كانت روح الأمة قوية استطاعت أن تطبع الأفراد بطابع قوي لخدمتها، والتفكير فيها، والعمل لخيرها، وإذا كانت روح الأمة ضعيفة قويت روح الأنانية في الأفراد، ولم يفكروا إلا في أشخاصهم”.

إن الرجل العظيم كلما ارتفع إلى آفاق الكمال، اتسع صدره، وامتد حلمه، وتطلب للناس الأعذار، وقد كان صلى الله عليه وسلم عنوان الرحمة، والقدوة في الصفح والمغفرة كما يقول الدكتور صالح بن حميد. والحسن بن علي رضي الله عنهما يقول:((لو أن رجلا شتمني في أذني هذه، واعتذر إلي في أذني الأخرى لقبلت عذره)).

وقال الإمام أحمد بعد المحنة: كل من ذكرني ففي حل، وقد قال تعالى: {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم}. وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟

لمحة أخيرة

تعلمت أن أحب الأشخاص، وأكره بعض ما يفعله بعضهم؛ فأنتهي دونما أي كره لأحد.(د.عبد الله السبيعي).



اترك تعليقاً