العيد .. صفحة جديدة

ها قد طويت صحيفة رمضان بين العزيمة والتقصير، فاللهم اقبل بمنك وفضلك طاعة المطيعين، واغفر ذنوب المقصرين، ووفق الجميع إلى اتصال الإحسان، وحب العبادة أبدا حتى نلقاك وأنت علينا راض غير غضبان.

نعم طوي كتاب رمضان، وبدأنا الآن صفحة جديدة، أطل منها وجه العيد .. وفي بسمته شحوب، وفي بياضه كدرة، وعلى لسانه لثغة .. لم يشف منها منذ سنوات طويلة .. شفاه الله بنصر مؤزر مبين للإسلام والمسلمين في كل مكان.

عيد الفطر المبارك .. تؤذن ليلته بفجر يطوي فجرا، وبفرحة تغرس ترحا .. فأي مسلم يفرح برحيل شهر الصوم، وقد وجدت فيه نفسه مشتل أشواقها، ومسرح آمالها، ونور بصيرتها؟

إنه الضيف الذي يحل بالابتسامات والتكبير، ويرحل بالدموع والتكبير، فلله كيف واسى عباده بأن جعل أول يوم بعده عيدا، يشرع فيه الفرح، وإظهار النعمة، والحمد والشكر والتكبير على إتمام العدة، وبلوغ المراد .. والإلحاح في طلب القبول من رب العباد.

العيد فرحة بانتصار الإرادة الخيرة على الأهواء والشهوات والشياطين ، والرضا بطاعة المولى عز وجل ، وانتظار الوعد الكريم بالفوز بالجنة والنجاة من النار. ولكن دون أن تنسي هذه الفرحة بالنصر في تلك الجولة أن صراع النفس المؤمنة مع أعدائها الثلاثة سيظل مستمرا في جولات لا تكف حتى يموت الإنسان .

إن العيد قد جاء لينال أهل الخير جوائزهم من الله ، الذي لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى.

العيد صفحة جديدة حقا؛ أكدها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: “الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر” رواه مسلم. فهيا نفتح صفحة جديدة مع الله الذي حبب إلينا كل هذه الطاعات، ونصحح رؤيتنا لحياتنا، فنحن لا نعيشها لنموت، بل نعيشها لنحيى حياة الخلود، وإذا أقصينا هذه النظرة عن حياتنا، فإننا سنكون من الخاسرين حتما في الدنيا ـ مهما توهمنا الربح ـ ومن الخاسرين في الآخرة يوم لا بيع ولا خلال.

ولا يزال في البلد فقراء محتاجون، فإذا كنا قد تصدقنا وزكينا، فلنتذكر أن هناك من يجوع طوال العام، ويمرض طوال العام، ويحتاج أن تمد إليه يد العون باستمرار.

العيد صفحة جديدة مع الذات أيضا، التي ربما هضمناها حقها، أو أزرينا بها، أو لم نتح لها الفرص المناسبة لطاقتها، إنها صفحة تستحق أن تخطط جيدا، حتى تمتلئ بما تحب من الإنجاز والإيجابية، لنسعد بها، ونسعد الآخرين.

إن القيام بعزائم العبادات في رمضان لمن لم يكن يقوم بها من قبل، يدل على أن الإنسان قادر على إحداث تغيير كبير في حياته في وقت قصير، وعلى جميع المستويات، ولكل العادات؛ حتى لا يبقى سجينا لها أو مملوكا.

دعونا نفتح صفحة جديدة مع والدينا، فنصلح ما فسد، ونطلب العفو والسماح عما بدر، ونبر بهما مهما وقع منا من التقصير، فما أقرب قلوب الآباء من الأولاد!

دعونا نفتح صفحة جديدة مع أرحامنا فنصلهم بعد قطيعة، ونعفو عنهم بعد ظلم، ونعينهم بعد جفاء.

دعونا نفتح صفحة جديدة مع أعمالنا، فنقوم بها خير قيام، بعد تفريط، ونحرص أن نكون فيها نجوما يهتدى بها.

دعونا نفتح صفحة جديدة مع وطننا الغالي، فنفي له بحقوقه علينا، كما نطالبه بحقوقنا منه، نعطي الطاعة لأولياء أمورنا في المعروف، ونبذل كل ما نستطيع لحماية مكتسبات الوطن، وتنمية الحياة في ربوعه.

نفتح صفحة جديدة .. لنملأها بالنور!!

يقول الأستاذ مصطفى السباعي : (( لا تفكر إلا في كل جميل، … ولن تسعد إلا إذا رضيت عن نفسك فتطمئن وترتاح بالا .. ولكنك حين تفحص نفسك لن تجد دائما كل ما يرضيك .. فما أكثر ما كان يجب أن تفعله .. وما أقل ما فعلته .. وسترى أن فيك صفات فريدة يجب أن تنميها لترضى عن نفسك )).



اترك تعليقاً