مع البلدية

ما تقوم به البلدية في الأحساء حالة استثنائية، فإنك لن تدير عينيك في شارع أو مرفق، إلا وجدت الأسمال القديمة قد أعلنت استسلامها أمام جرافات الإرادة القوية، وطويت داخل صهاريج النسيان، وحلت مكانها أثواب براقة، وكأن المدير المبدع قد وضع خارطة الواحة العريقة على مكتبه، ووزع عليها أحلامه الوثابة، وتخيل (الأحساء) في عهد مليكها الزاهر، وقد أصبحت مطمح الأعين، عروسا تباهى بأجمل الحلي، وأبهى الزينات.

حقا لم يكتمل الحلم بعد، فلا يزال أمام البلدية شوارع ضيقة تحتاج إلى توسعة بنزع الملكيات، وجسور تحل للمرور الأزمات، وأنفاق تنضم إلى الإنجاز الرائع الذي تحقق في مدخل الهفوف من الجهة الشمالية، وحل لسكة الحديد التي تخترق قلب المدينة الوادعة، وتوقف نبضات الشارع الرئيس فيها بين آونة وأخرى، وقرى لا تزال تعاني من سفلتة تاريخية مرت عليها عقود متتالية، وقد نقشت عليها ندوب جدري ذهب بجمال عيونها، وصفاء بشرتها.

أمام البلدية ـ كذلك ـ حملات توعية ضخمة، نشارك كلنا فيها، لنحافظ على المنجزات، فقد هالني الأمر حين زرت شاطئ العقير بعد مشروعات البلدية الأخيرة فيه، فقد تعرض هذا المنجز من المستفيد منه إساءات خطيرة جدا على المعنى الحضاري الذي كان يجب أن نكون قد وصلنا إليه.

ففي كل مرمى للعين نفايات وتخريب وكتابات غير مسؤولة، فمتى يبلغ البنيان يوما تمامه، إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم، إنها ثقافة النظافة التي ينبغي أن نربي عليها أنفسنا وأهلينا، بدلا من أن نحضرهم إليها ليلعبوا ويسعدوا، ثم يسيئوا إلى المكان الذي سعدوا به.

إن لوحات البلدية التي نشرت في كل مرفق للمحافظة على المنجز ينبغي أن تعلق في الفصول الدراسية، وساحات المدارس والجامعات، بل على شاشات الإعلام وأثيره وصحافته، في حملة بصيرة.

فإن الشاب إذا تعود ألا يرمي ورقة في بيته وفي مدرسته، سوف تتحول لديه هذه القضية إلى ثقافة، وأمر معتاد، حتى ليحار بما في يديه إذا لم يجد له صندوقا معدا له.

أمام البلدية ـ كذلك ـ أن تحقق نظرية الجمال في الشوارع؛ فإن الجمال يحتاج إلى تناغم، وخلفيات مناسبة، وما تصنعه في الشوارع الرئيسة، من تجديد كامل لقشرتها الإسفلتية، وأرصفتها، وأنوارها، وتشجيرها، إذا لم يتبعه إسهام من المواطن في تحسين مناظر ممتلكاته المطلة عليها، فإنها ستظل مشوهة، غير قادرة على التناغم.

وفي كل شارع رئيس عمائر تطاول بها العمر، فتشوهت ألوانها في الأعلى وإن تجملت (تجاريا) في محلاتها التجارية؛ لاختطاف أعين الزبائن (الكرام)، أي أن المالك يقتطف ثمرات وجوده على هذا الشارع الذي يدر ذهبا، ويستفيد أيضا من مشروعات البلدية التجميلية، ولكنه لا يسهم في إضفاء اللمسات الجمالية التي يملك أن يضعها.

وفي هذه الشوارع بيوت قديمة مهترئة، وأسوار على أراض لم تبن بعد؛ ربما يكون بعضها آيلا للسقوط، وخطرا على المارة، وفيها محلات تجارية لا تعتني بجمالياتها، وهي تحصد الأرباح ليل نهار!!

إن البلدية أمام ثلاثة خيارات؛ إما أن تكتفي بإنجازها في وسط الشارع، ويظل هذا الإنجاز مشوها بما يطل عليه، ويظل المنظر قلقا غير مستقر في النفس. وإما أن تكتفي بالتثقيف والدعوة إلى تغيير هذا الواقع، ويظل البخيل يحصد ولا يعطي. وإما أن تستعين بالأنظمة المدعومة بالفتاوى الشرعية ـ إذا صح ذلك شرعا ـ على فرض التحسين فرضا؛ بإزالة المباني المهجورة وتسويرها بأسوار جميلة، وطلي كل المباني القديمة بما يتلاءم مع الصورة العامة للشارع، وترميم ما يحتاج إلى ترميم.. المهم أن تكتمل اللوحة في العين.

ولا أظن أنني قاس في هذا كله، فأنا لا أتحدث عن أحياء فقيرة، ولا عن هجرة في وسط رمال الربع الخالي، ولكني أتحدث عن الشوارع الرئيسة التي تتضاعف فيها أثمان الأراضي والعمارات!! ولعل شارع الرياض الذي يشق كبد الهفوف شاهد على كل ما قلت!!

أعتقد أنني حين أتحدث عن الأحساء في هذا الشأن، فإنني أتحدث عن كل مدينة في بلادنا حماها الله، فالصورة مكرورة هنا وهناك، ولكننا في الشرقية بوجه عام، حظينا بأمير يعشق الجمال؛ فرسمه على مباسم الدمام والخبر في واجهات بحرية، ومشروعات عملاقة، شهدت لها أعين الزائرين وشفاهمم وأقلامهم، ومحافظ في الأحساء يسعى إلى الجودة والريادة، ويتابع مشروعات الواحة الجميلة؛ واحدا واحدا بكل أريحية وحرص؛ لتقر عيناه بعظمة الإنجاز، وراحة المواطن.



اترك تعليقاً