من أنت ؟

هل جربت أن تطرح هذا السؤال على نفسك؟

سوف تجد الإجابة صعبة للغاية، حتى ربما ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير .. وغياب هذا السؤال عن الفرد شرخ في حياته ربما لا يسد حتى يجيب عنه بكل صراحة، ويرتب عليه حياته كلها.

علينا ـ فعلا ـ أن نعرف أنفسنا كما هي .. لا كما نشتهي أن تكون، فإن وجدنا خيرا حمدنا الله تعالى، وطورنا وزدنا، فمن وصل القمة فإما أن يحافظ على موقعه، وإلا فإن الحركة سوف تكون (النزول).

منذ الفيلسوف اليوناني سقراط والمفكرون يصرخون بك: (اعرف نفسك)، ذلك لأننا في الواقع كثيرا ما نجهل أنفسنا، وجهلنا بأنفسنا يقتضي أمورا عديدة؛ منها أننا نضعها في المكان الذي لا يليق بها فنزري بها، أو أننا نقدمها لما يطغيها فنفسدها، أو نسنِّمُها موضعا لا تطيقه فنرهقها، أو نجحف في حقها حين نصنفها في حدود الضعف وقلة الحيلة، وعدم القدرة على الابتكار، أو الإنجاز، محتجين بكثير من التجارب الفاشلة التي مررنا بها من قبل؛ والتي لم نستثمرها نحن، بل استثمرها الآخرون الذين ربما شاهدونا أو سمعوا عن قصصها، والنتيجة أننا سنفقد طاقتنا دون أن نحصل على شئ.

لكننا إذا عرفنا أنفسنا بالطريقة العلمية الصحيحة، وفهمناها جيدا، ثم كانت عندنا القدرة الكافية على كبح جماحها من جانب، وعدم تثبيطها إذا هي استسشرفت لما يليق بها ويعزها، فإن الحياة سوف يكون لها طعم آخر.

تبدأ قصة معرفة الذات من الطفولة، فإن الأبوين أو من يقوم مقامهما ينهضان بمهمة كشف ذات الطفل لنفسه أو تشويش الرؤية عليه.

فالبيئة النقية الصادقة الصريحة سوف تجعل الناشئ يعيش النقاء والصدق والصراحة حتى مع نفسه، فتنقشع عن عينيه سحب الأنانية المفرطة، التي يظن وهو يستظل بها أن من حقه أن يكون له كل شيء من حوله، ويبني كل تعاملاته على أساس من المصالح الشخصية المحضة، حتى تكون ذاته وراء كل حركاته وسكناته ومعاملاته، فيدفع عنها كل أضواء الحقيقة التي قد تكشفها لعين نفسه.

إنه يريد أن يحيا مغمض العينين، مغلق الأذنين، غافي القلب، ومثل هذا يعيش صغيرا ويموت صغيرا بحجم رؤيته التي لا تتجاوز حجم تلافيف عقله البارد.

وحين يتربى الناشئ في بيئة واعية، منتجة، طموحة، قادرة على أن ترقى بنفسه ؛ لتصل بها إلى مدارج الكمال البشري، قد استكملت تربية كل جوانب شخصيته منذ نعومة أظفاره، ثم علمته صدق الإحساس بالذات، وحساسية التعامل مع النفس البشرية، التي قد تمثل دور المصدق لما هو غير صحيح، من أجل أن تخدر مشاعرها، ممارسة بذلك ما يسمى (مخادعة النفس)، حتى ترضى عن نفسها، وهو رضى ممقوت؛ لأنه يغطي الحقائق، فتتخلف مسيرة التهذيب للنفس، التي يشبهها أحد الكتاب بالعجينة العصية، التي لا تلبث أن تبرز عن القالب كلما رفع العاجن يده عنها.

والعجيب أن أصحاب هذه النفس الخادعة يعرفون في الناس بذلك وهو لا يعلمون، فيجد من حولهم صعوبة بالغة في كشف حقيقة أنفسهم لهم، مع أنهم في أمس الحاجة إلى ذلك، فيخسرون فرصة جديدة للرقي بأنفسهم.

وربما تسنَّم بعضهم منصبا ما، ربما كانت تتعلق به مصالح الناس، فترتفع الأسوار حول هذه النفس المسكينة، وتزداد حدة، إذ لا تلبث أن تتضخم في الخارج، وتضمحل في الداخل، حتى تصبح غير متوازنة، فتنهار في لحظة ما.

ومن أبرز صفات هذه النفس المريضة، التي يفتك سرطان العجب بها وهي لا تعلم، أنها لا تقبل المنافسة .. فالويل للمنافس .. والويل له.

سوف تسلقه بألسنة حداد، وسوف تحاول تجريده من كل فضائله، وتضعه على السَّفود؛ هكذا .. عاريا من كل ما يستره.

إنها تنسى كل أخطائها التي وقعت فيها في يوم ما وهي في موقع ما، فإذا جاء الوقت الذي يقف فيه شخص آخر، تحول المسكين إلى منافس دون أن يعلم، ولو كان مرشحا لهذا المكان دون علمه، أو دون رغبته.

مثل هذه النفس تدعي ـ دائما ـ أنها في راحة من العيش .. وهي في الواقع تتعذب.

ولأني الآن … أشفقت على صاحبها منها فإني أرجو أن يسارع إلى فهم نفسه جيدا، وألا يغره ثناء الناس عليه، وحلم الله تعالى ..

((غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها وبائع نفسه فموبقها))[حديث رواه الدارمي(14481)].



اترك تعليقاً