من يقتل في ذاكرتي تلك الأيام ؟

تمر بي وأنا أتصفح موقع (www.almostshar.com) حالات كثيرة مثيرة، تكشف جزءا من المخبوء في طيات المجتمع الذي نعيش فيه، ولا سيما في العلاقات الأسرية المعقدة، أو قل التي تعقدت بفعل التأثيرات الجديدة التي طرأت على المجتمع، ولا سيما في السنوات العشر الأخيرة، حين اقتحمت الفضائيات والإنترنت كل دار وغرفة وقلب وعقل وعين وأذن.

والحالة التي أعرضها في هذه الحلقات من المقالات تشير بوضوح إلى عمق المشكلة، وأثرها الخطير على المجتمع إذا لم تسلط عليها الأضواء، وتدرس وتستهدف بالعلاج.

وقد اخترت هذه الحالة بالذات؛ لكونها تمثل القضية التي أريد إلى حد لا بأس به، وإن كانت هناك حالات أشد سوءا، ولكن صاحبتها أذنت بالنشر؛ علما بأني أزلت منها ما يمكن أن يحدد شخصياتها كعادتي في الاستشهاد بالحوادث التي تمر بي.

تقول صاحبة القصة: “والله إن قلبي ليتشقق في صدري ، وإن يدي لا تقوى حتى على كتابة قصتي، إنها مصيبة ابتليت بها ولا أعرف حتى سببا لكوني الآن أقصها عليكم هنا.

أنا متزوجة منذ سنوات. وأصغر من زوجي بسنين، ولدي عدد من الأولاد، وزوجي هو أساس مشكلتي. كنت أثق به تماما وما كان يخطر لي ببال أبدا أنه قد يخونني في يوم من الأيام.

المشكلة أنني كنت أريد أن أقرأ رسائل وصلتني عن طريق (بريدي الإلكتروني) لكني فتحت رسائل بريد آخر لم أعرف من هو صاحبه .

بدأت بقراءة الرسائل، وللأسف الشديد بمجرد ما قرأت أول رسالة فيه عرفت صاحبه، إنه زوجي … وإنها والله لطامة كبرى! بنات أشكال وألوان وصور ورسائل تدل على أنهم يتبادلون الأحاديث منذ شهور عديدة. انهرت تماما أمام هذه الحقيقة الصاعقة وواجهته بما عرفته، وفي البداية حاول الإنكار لكنه سرعان ما اعترف لي بكل شيء، وصرت أبكي بحرقه من شدة عجزي أمام هذا الموقف؛ لأنني غير قادرة أن أتخذ موقفا يحفظ لي كرامتي.

أنا أكره ما فعله بي ولكن حبي له جعلني أتعلق بوعوده لي بأنها كانت نزوة ملعونة لن يعيدها أبدا. وظل يعتذر ويتأسف ويقسم ويغلظ الأيمان بأنه ندم ولن يفعلها مرة أخرى أبدا.   وحتى أكون صريحة معكم فأنا ضعيفة أمامه تماماً … أي أنني كنت أتمنى أن يفعل ذلك حتى أسامحه فأوفر على نفسي عناء الفرقة والبعد عنه.

ومرت الأيام بعد ذلك كئيبة. مرة ألوم نفسي وأشعر أنني لمّا غفرت له هدرت كرامتي ورخصت نفسي أمامه، ومرة أخرى أقول: لا . لقد حافظت على بيتي وأعطيته فرصة ليبتعد عن خطئه. ولكن ويا ألف حسرة وحسرة؛ منذ ثلاثة أشهر – أي بعد مرور عامين على تلك الحادثة القديمة – كنت أتصفح رسائلي مرة أخرى لأقرأ رسائل أهلي لي ولشديد أسفي تفاجأت بأن هناك عنوان بريد إلكتروني آخر موجودا على الجهاز.

بسرعة وبدون تردد قمت بتحميله وفتحته فإذا بأكثر من خمس بنات مضافة إلى هذا البريد، منهن واحدة كانت (موجودة على النت) . وسارعت تكلمني على أنني أنا هو. لا أخفيكم أنني أخذت دوره وكلمتها وكأنني زوجي، وجاريتها في الحديث، ولا أستطيع أن أصف لكم كيف كانت معدتي تتشنج في بطني وأنا أقرأ الكلمات التي تكلمت بها تلك الفتاه معي، حديث لا يتخيله عقل. كانت تلومه لأنه لم يكلمها في اليوم السابق، ثم أخذت تشرح له كيف أنها انتظرته، وكانت في حاجه لأن … وأخذت تتكلم وكأنها امرأة تكلم زوجها في غرفة نومهما الخاصة.

نهرتها وأخبرتها أنني لست من تظن وأنني زوجته فقالت لي: إنه أخبرها أنه غير متزوج. حاولت أن أتمالك أعصابي ونصحتها لوجه الله تعالى أن تتقي الله في نفسها وفي غيرها فقالت لي بكل وقاحة: ” اذهبي فانصحي زوجك الأول يا مدام ” ! ثم جرحتني بما فيه الكفاية.

أنا لم أتألم مما جاءني منها. هي لا تعنيني في شيء. أنا منكسرة ومحطمة منه هو. أحببته وأخلصت له وكنت له زوجة وأما لأولاده وكنت له حبيبة وفية، وتشكلت له كما يريد حتى يراني كما يحب ويرضى. ثم غفرت له فيما سبق وإذا به يحطمني من جديد.

ولما عاد من عمله واجهته بالأمر وأخذت أصرخ في وجهه ولا أدري ماذا قلت له في ثورتي تلك، لكنه أجهش بالبكاء كما لم أره يفعل من قبل قط، وظل يطلب عفوي وسماحي، وأحضر المصحف الشريف وأقسم عليه أمامي وأنا أبكي من شدة الصدمة. أقسم أنه لن يفعلها مرة أخرى أبدا، وأقسم أنه سيلتزم بالصلاة ولن يفوت فرضا منها وأقسم أنه سيصبح إنسانا جديدا، حتى إنه كان يعرف أنني كنت أتأذى من جلوسه أمام قنوات التليفزيون السافرة فأقسم أيضا ألا يتركها في البيت أساسا وأن يشفرها كلها. وأخبرني أنه يكره ما يفعله وأنه يشعر في نفسه أنه غير نظيف، وأنه لا يستحقني، لكنه يحبني ولن يحتمل أن يبتعد عني، حتى إنه قال لي: إنه إن سامحته سيذهب لأداء عمرة ليسامحه الله وليشعر هو بالراحة.

أنا أعرف أن أي امرأة في مكاني ستترك رجلا مثله غير آسفة، لكنني وبكل أسف أحبه، أكرهه لما فعل بي لكنني أحبه. لا أعرف كيف أصف نفسي… ضعيفة وعاجزة. وقد يشعر بعض ممن يقرأ استشارتي أنني رخيصة بسبب إهداري لكرامتي، حتى إنني لم أجرأ أن أطلب منه أن ننفصل أو حتى أن أبتعد عنه وأعود وحدي لأهلي. حتى في قمة غضبي وثورتي كنت خائفة عليه جدا من بكائه وتأثره.

ظل يبكي ويعد بالتغير ويقسم حتى طلب مني أن أتوضأ أنا وهو ونصلي ركعتين لله بنية أن تهدأ نفوسنا ويبتعد عنا الشيطان، وفعلنا وبعدها رضخت له وقبلت اعتذاره لكنني ما زلت جريحة.

أنا لا أنام الليل من كرهي لما حدث، وأشعر أحيانا بالمهانة لأنني قبلت اعتذاره، وأقول في نفسي أحيانا: وما أدراني ألا يفعلها بي مرة أخرى. وإن كان رب العالمين كشف لي ستره مرتين هل بالضرورة أن أعلم إن استغفلني مرة أخرى؟ وحتى إن ضمنت أن حياتي القادمة معه ستكون نظيفة .. كيف أنسى ما مضى؟؟ أنا مشتته جدا وأصبحت أكره نفسي وأكره شدة ارتباطي به وأتمنى لو أنني قادرة على حفظ ماء وجهي وحفظ كرامتي وتركه والمضي بحياتي بدونه، لكنني وللأسف الشديد أحبه حبا أكره نفسي لأجله .

فهل أصبت عندما سامحته؟ أم أنني ظلمت نفسي؟ حتى إنني لا أقوى على الدعاء عليه بما أكره أن أراه فيه .

المشكلة الآن أكبر من حيرة الاختيار، فلقد حدثت، وما قد كان كان . لكنني وبكل صراحة وبعد مرور ثلاثة أشهر الآن على الحادثة الأخيرة ما زلت غير صافية النفس تجاهه ، أشعر أنني لم أسامحه بل أنا فقط تغاضيت عن الماضي لمصلحة المستقبل.

أفتقد ثقتي به كثيراً ولا تستغرب أو تستغربي لأن ثقتي به عندما افتقدتها أنا التي تعبت. أصبحت أشك في كل صغيرة وكبيرة، أصبحت أتخيل في كل فعل يفعله دوافع غير نظيفة، إن تأخر قليلا تقتلني احتمالات عودته لما كان عليه، إن رنَّ جواله أسبقه إليه لأرى الرقم، حتى إنني أصبت بكوابيس رهيبة تنغص علي نومي.

أرى في أحلامي فتيات يسخرن مني ثم أراه بينهن لاهيا معهن، وأرى تلك السافلة التي كلمتها على بريده بالنصح، فانقلبت علي بالتجريح والإهانة ـ تسخر مني في أحلامي وتشير إلي وتضحك كما يشار إلى أبله في الطريق، حتى إن كلماتها التي سمعتها وهي تكلمني بها قبل أن تعرف أنني لست هو مازالت محفوظة في ذهني عن ظهر قلب، أسمعها في أحلامي بشكل شبه يومي.

باختصار سيدي الفاضل.. لقد تحطمت تماماً، ولا تحملني ما لا طاقة لي به فتخبرني أنني لابد وأنني قصرت معه، أو قصرت في حقه، أو أنقصت عليه حقا من حقوقه فاتجه لما اتجه إليه، فأنا ـ والحمد لله وأشهد ربي على ما أقول ـ لم أترك في مقدرتي شيئا يحبه إلا وقدمته له، ولا يعرفنا أحد من المقربين إلينا إلا ويحسده على ما هو فيه مني، أقصد بقولي طبعا المقربين جدا كأمه أو أخواته، يقلن له أن زوجتك تعاملك بعد ثماني سنوات زواج كما يحب الرجل في أول أيام زواجه أن يري من زوجته. لم يغيرني إنجاب ثلاثة أطفال. لم أهمل نفسي ولم أترك شكلي حتى يتغير، ليس شكليا فقط بل عاطفيا ومن ناحية واجباتي المنزلية وأطفالي.

فماذا أستطيع أن أقدم له بعد؟ بل قد يكون أكثر ما يقتلني فيما حدث هو أنني أرى نفسي لا أستحقه، أنا أستحق ما هو أفضل من ذلك. أعتقد أنني أستحق احترامه وحبه معا ليس حبه فقط.

أخبرني بالله عليك – أخي المستشار – : كيف أتحرر من الغضب الذي بداخلي تجاهه؟ أصبح شعوري بالغضب منه يجرحني أنا أكثر منه، أصبحت وبكل صراحة متأكدة أنني لم أعد أحبه كما السابق، حبي له مشوب بغضب لو تجسد ذاك الغضب في قوة ما لانقضت عليه، ومع ذلك ما زلت أحبه وإن اختل القدر.

أما عنه هو .. فقد التزم بما قاله من ناحية الصلاة لفترة شهرين وأكثر، لكنه منذ حوالي عشرة أيام عاد يصلي فرضا ويترك آخر، ونبهته لذلك، فتعلل وتملل من كلامي وطلب مني أن لا أذكره كثيرا بذلك، حتى لا يتذكر ما مضى. لكن من ناحية الفضائيات انقطع عنها تماما، لم يعد يراها حتى إنه حاول ذات ليلة أن يسهر وحده أمام التلفاز، عرفت نيته ورفضت ذلك رفضا تاما، وقبل هو رفضي ورجع عما عزم، والعمرة لم يستطع القيام به لعدم قدرته على الحصول على إجازة من عمله.

أما المواقع السافرة على النت فأحسبه على كلامه لم يدخلها مرة أخرى إلا أن لديه انترنت في عمله..و هذا ما يثير الريبة في نفسي دائماً..لكنه على حد قوله لم يفعل ذلك مجددا.

هذا هو وضعه الحالي .

أما عني فلا أقول غير: حسبي الله ونعم الوكيل . أصبح شعوري بأنه أهانني يطاردني في كل لحظة. دائما أشعر بأن لي حقا لديه ولا أعرف كيف سأسترده. شعور رهيب بالغضب يطاردني ليل نهار، والأصعب من كل ذلك هو محاولة إخفاء ذلك كله بشكل لا يراه هو ولا يشعر به. أصبحت أشعر أنني قنبلة على وشك الانفجار غير أنني لا أعرف كيف ستنفجر؟!!

ليس كافياً لي أن تغاضيت عن الماضي لمصلحة المستقبل .. ليس كافيا بل مؤلم جداً حتى وإن كنت أعلم أنه عمليا هو الاختيار الصائب لكنه مؤلم بقدر لا تتخيلوه.

ماذا أفعل – أخي المستشار – ؟ كيف أستطيع أن أسامحه ؟ كيف أستطيع أن أستعيد ثقتي به بل وبنفسي ؟

السؤال بشكل أشمل : كيف أستعيد حياتي التي أحببتها وبشدة وأستعيد حبي له كما كان قبل تلك المصائب ؟؟

هل لي بشيء يشبه فقدان الذاكرة الجزئي؟ هل لي بيوم أصحو من النوم فإذا بكل ما حدث كأن لم يكن يوما ؟ هل لي بموت تلك الأيام ودفنها خلف إدراكي وذاكرتي ؟



اترك تعليقاً