وصمة المرض النفسي

ساد في مجتمعاتنا العربية ـ كما في الغربية كذلك ـ مفهوم قاصر حول المرض النفسي، جعل منه وصمة عار، ومسبة يشتم بها الصغار والكبار، وشينا يداريه المصابون عن أعين الآخرين بل وعن آذانهم.

فمن وصم به انزوى عن الحياة، وازدادت اضطراباته بسبب خوفه من (الفضيحة)، وخجله من الأعراض التي قد تبدو عليه، وربما أدى هذا الشعور الذي بناه الجهل بحقيقة الاضطراب النفسي إلى تجاهل بعض الأمراض؛ حتى تستبد بالمبتلى بها، وتتسبب في سلب طعم الحياة الهانئة من حواسه ومشاعره، ويكون ضحية هذا الجهل الشنيع.

ومع كثرة أعباء الحياة وضغوطها، ازدادت نسبة المصابين بالقلق حتى بات يهدد أكثر من نصف البشر، كما ازدادت نسبة الاكتئاب والفصام والرهاب وغيرها، ومع ذلك فإن المجتمع حتى الآن يتجاهل أهمية وجود مشافٍ خاصة بالاضطرابات النفسية، ما عدا الحكومية، التي كانت تسمى إلى وقت قريب: (مستشفى المجانين)!؛ ولعل عزوف الشركات ورجال الأعمال عن إقامتها مبني على عدم توقع الجدوى الاقتصادية منها؛ تبعا لعدم إقدام المصابين على الإقدام عليها.

بل وصل الأمر ـ كما تثبت بعض الدراسات ـ إلى هروب الدارسين من هذا التخصص في كليات الطب، وقلة المقبلين عليه، خوفا من هذه الوصمة التي عززتها وسائل الإعلام المرئية؛ بتصوير الطبيب النفسي منفوش الرأس، شارد العينين، ذا حركات غير إرادية، أي أنه مصاب ـ أيضا ـ بعدوى نفسية ممن يعالجهم!! ، وأن كل مختص في الشأن النفسي لا بد أن تراه معقدا، مضطربا؛ بسبب كثرة مساسه بهذا التخصص وعلاقاته بالمصابين.

إن المريض نفسيا يحتاج إلى تفهم لحالته من قبل المحيطين به، فإذا تجاهلوا حالته، وأطلقوا عليه مصطلحاتهم المتخلفة، التي لا يقيم لها العلم وزنا، فإنهم قد يسهمون في تطوير حالته نحو الأسوأ؛ نظرا لكونه مرهف الإحساس بهذه القضية خصوصا. ومثل هذا التصريح أو حتى التلميح يؤذي مشاعرهم المتعبة؛ التي كانت في أمس الحاجة إلى لمسة حنان وتعاطف.

وإذا راجعنا أنفسنا واجهنا حقيقة ناصعة، هي أن كل إنسان قد يواجه بأزمة تكون سببا في اضطرابه النفسي بشكل من الأشكال، فمن الذي لا يصاب بالهم والحزن والاكتئاب والقلق، ولو لفترات محدودة؟!!

من الذي يستطيع أن يتجافى الهم والشرود الذهني والانقباض النفسي الذي قد يتفاقم بسبب صدمة أو ظرف اجتماعي أو اقتصادي ما؟!

إن الإنسان السوي قد يصاب بأي من هذه الاضطرابات دون اختيار منه للوقوع في شركها، ولا يكون له خيار ـ أحيانا ـ للخروج منها كذلك!

وتشير بعض الدراسات إلى أن المصابين بالاضطرابات النفسية يمثلون 20% -30%  من الناس، وأن هناك أكثر من 100 تشخيص للاضطرابات النفسية، لا يكاد أحدنا يخلو من أحدها!! وهو ما يجعلنا نؤمن بأهمية العمل لرفع الحرج عن المصاب النفسي؛ لأننا جميعا قد نصاب بأي توتر حادث قد يتحول إلى اضطراب مؤقت أو حتى دائم.

ومن هنا فإننا جميعا يجب أن نقف لمحاربة هذه الوصمة، ومن المقترحات:

1. تغيير المصطلحات النابية التي يطلقها العامة على المصابين؛ مثل معتوه، وخبل، ومجنون، وتسمية الاضطرابات بأسمائها العلمية. 

  1. دمج المصحات النفسية بالمصحات الطبية الأخرى؛ لرفع الحرج عن مراجعيها.
  2. خروج الأطباء النفسيين إلى مؤسسات المجتمع الخدمية، ليقدموا خدماتهم الإنسانية من خلالها.
  3. إشاعة ثقافة الاستشفاء النفسي، وأنه لا يختلف عن الاستشفاء الجسدي.
  4. أن يقوم الإعلام العربي بتحسين صورة الطبيب النفسي، والمرض النفسي.

6. كشف الحقائق العلمية عن العقاقير النفسية، وأنها ليست مخدرات، ولا تؤدي إلى الإدمان، وأن الاستخدام السيء لها، أو عدم المداومة عليها حتى نهاية الجرعات هي التي تتسبب في الانتكاسات، وعدم الجدوى منها.

7. أن جميع الناس يمكن أن يصابوا بأي مرض نفسي، وإن كان الصحيح والذي تكرر إثباته في الدراسات العلمية هو أن المتدينين هم أقل عرضة من غيرهم لكثير من الاضطرابات النفسية.

8. لقد ساعد الطب النفسي ـ عبر القرون ـ إنسان كل عصر ليفهم نفسه كما هي، ويقرأ مشاعره، ويتعامل معها بإيجابية، بل وبما يوجه سلوكه.



اترك تعليقاً