أشواق الروح

يَارَبِّ أَيْنَ أَنَا ؟! كُلُّ المُدَى ظُلَمُ
مَا بَالُ جِسْمِي بنَارِ الرُّوحِ يَضْطَرِمُ

 

مَا بَالُهَا : ضَاقَ هَذَا الجسْمُ عن غَدِهَا
فَأَفْلَتَتْ ، في سِمَاكِ الكَوْنِ تَـنْتَظِمُ

 

يَا للرَّدَى كَيْفَ أَغْرَاهَا فَمَا التَفَتَتْ
في كَوْكَبِ هَالَتَاهُ : دَمْعَةٌ وَدَمُ

 

أَذْوَتْ غُصُونِي وَغَارَ النُّسْغُ وامْتَثــَــلَتْ
رُوحِي لِبَارِئِهَا ، واسْتَسْلَمَ العَلَمُ

 

أَرْخَتْ يَدُ الأَمَلِ المَشُبوبِ مِقْوَدَهَا
وَخَرَّ عَنْ صَهْوَةِ الأَطْمَاحِ مُقْتَحِمُ

 

هُنَا أضَاءَ غُبَارُ الأرضِ مِنْ دَمِهَا
نَفْسٌ هيَ الحُبُّ والأَخْلاَقُ والـهِـمَمُ

 

( طُرَيْفُ ) يَا جِسرَ أَحْبَابي أَذَا كَرَمٌ
لضَيْفِكِ المُولَعِ الأَضْلاَعِ أَمْ سَأَمُ ؟!

 

عِشْرُونَ عَامَا يظلُّ الطَّرفُ مُكْتَئِبًا
حتَّى إذَا لُحْتِ فَرَّ الهَمُّ والسَّقَمُ

 

أخُوضُ بالعَزْمِ أَمْوَاجَ النُّفُودِ وقَدْ
تَلَمَّظَ الرَّملُ حَوْلِي ، وارْتَوَى العَدَمُ

 

ماذَا دَهَى تُرْبَكِ المُشتَاقَ حِينَ دَنَى
مِنْ هَامَتِي والرُّؤَى في أُفْقِهَا قِمَمُ ؟!

مَاذَا رَأَى حِينَمَا سَاحَتْ بهِ سُفُنِي
فيِ عَالَمٍ مِلْؤُهُ الآدابُ والشِّيَمُ ؟

أَكَانَ حَقًّا عَلَيهِ اليَوْمَ وَثـْبَتُهُ ؟
إلى رِكَابي وقُرْبي البَيْتُ والرَّحِمُ

هُنَاكَ مَشْتَلُ أحْلاَمِي وصَاحِبَتِي
والوَرْدَتَانِ وأَشْبَالٌ بيَ التَحَمُوا

كَمْ دَمْعَةٍ زَغْرَدَتْ شَوْقًا إليَّ وكَمْ
بَنَوْا على ضِفَّةِ المِيعَادِ مَا حَلُمُوا ؟!

(فِراسُ) ضَمَّ أخَاهُ (يَاسِراً) وهُمَا
في لَهْفَةِ الشَّوْقِ ، وَيْحَ الشَّوقِ لَوْ عَلِمُوا

وَذَا (أُنَيْسٌ) يُغَنِّي أُمَّهُ ولَهًا
ويَرْسُمُ المَشْهَدَ الآتِي ويَبْتَسِمُ

والنَّجْمَتَانِ كَأَنِّي حينَ هَوَّمَتَا
في شُرْفَةِ اللَّيلِ ثَغْرُ الفَجْرِ يَرْتَسِمُ

يَا هَوْلَهَا لَحْظَةً فِيهَا تَهَامَسَتَا
“أنْ سَوْفَ نَسْهَرُ حَتَّى تَرْحَلَ الظُّلَمُ

سَنَفْرِشُ البَيْتَ فُلاًّ والدُرُوبَ رَيَا=
=حِينًا ، ويَعْبُقُ أُنـْسًا حَوْلَنَا الحُلُمُ

غَدًا سَيَرْجعُ بَابَا” يَا لِضَجَّتِهِ
جُرْحِي الكَؤُودَ إذَا مَا انـْهَارَ مَا وَهِمُوا

( غَدٌ ) سَيَأْتِي وَلَكِنْ لَيْسَ في يَدِه
بَابَا، فَيَا كَبدِي الحَرَّى إِذَا وَجَمُوا

تهدَّجَتْ نبَرَاتُ النَّعْي فانـْكَفَأَتْ
أَقْدَاحُ فَرْحَتِهِمْ، وانـْهَالَتِ الغُمَمُ

عَادَتْ مَوَاوِيلُهُمْ أَطْلاَلَ أُغْنِيَةٍ
( تَخَطَّفَتْهَا يَدٌ فرَّاسَةٌ وَفَمُ )

رَفِيقةَ الدَّرْبِ يَا رُوحِي ويَا سَكَنِي
وَيَا شُمُوخِي إِذَا مَا هَدَّنِي الأَلَمُ

رَحَلْتُ عَنْكِ فَغَابَتْ شَمْسُ بَادِيَتِي
وقُوِّضَتْ خَيْمَتِي ، واعْتَادَنِي السَّأَمُ

أَنُوءُ بالعِبْءِ وَحْدِي ، غُرْبَتِي نَفَسٌ
منَ الجَحِيمِ ، وَحَوْلِي المَاءُ يُقْتَسَمُ

لِي مِنْ عُيُونِ (الحَسَا) مِلْيُونُ والِهَةٍ
منَ النَّخِيلِ، وَأَهْلٌ حُبُّهُمْ ذِمَمُ

كَمْ طَوَّقُونِي بِبَاقَاتِ الوَفَاءِ وَكَمْ
وَصَلْتُهُمْ بوَرِيدٍ لَيْسَ يَنْصَرِمُ

لَكِنَّنِي ذَلِكَ الظَّامِي إذَا انْهَمَرَتْ
أَطْيَافُكُمْ فَسُدُودُ الصَّبرِ تَنْهَزِمُ

رَفِيقَةَ الدَّرْبِ كُلُّ الدَّربِ وَشْوَشَةٌ
نَشْوَى بهَمْسِكِ تَدْعُونِي فأَلتَهِمُ

تِلْكَ الطَريقُ الَّتِي كَانَتْ تَضِيقُ بنَا
أحَشَاؤُهَا ، شَفَّهَا رُغْمَ الدُّجَى النَّغَمُ

كأَنـَّهَا وَصَدِيقِي لَحْظَةٌ هَرَبَتْ
مِنْ وَاقِعِ الكَوْنِ لا شَكْوَى وَلاَ بَرَمُ

نَمْضِي وَتَعْزِفُنَا الأَشْوَاقُ حَالِمَةً
وَلَحْظَةُ الأجَلِ المَحْتُومِ تَحْتَدِمُ

مَا أَجْوَدَ اللهَ رَبِّي حِينَ أَكْرَمَنِي
بالقُرْبِ مِنْكُمْ ، لِتَسْلُو مِنِّيَ الرِّمَمُ

رَفِيقَةَ الدَّرْبِ هُزِّي جِذْعَ مِحْنَتِنَا
يَسَّاقَطِ الأجرُ ، والأَحْزَانُ تَلْتَئِمُ

إنْ هَدَّمَ المَوْتُ بَيْتًا ضَمَّنَا فَلَنَا
في جَنَّةِ الخُلدِ بيتٌ لَيْــسَ يَنْهَدِمُ

إِلَى الكَرِيمِ أَسُوقُ العُمْرَ مُلْتَمِسًا

بَرْدَ الرِّضَا ، فَالرّدَى عِنْدَ الرِّضَا نِعَمُ


*) كتبت على لسان فقيد الأدب العربي أستاذي الدكتور إبراهيم الحاوي رحمه الله ، الأستاذ في جامعة الملك فيصل

المتوفى في طريقه من الأحساء إلى عمّان، في بلدة طريف ، في 2/12/1419هـ




اترك تعليقاً