اهطل بعتبك

 

رأى عينيَّ تدافعان سلطان النوم القاهر ، وأنا بين أطفالي . . قد استجبت لهم –رغم تعبي- فحضرت بهم احتفالاً كانوا مشتاقين إليه . . فشعر بتراكمات الإجهاد تحت أجفاني . . فقال لإخواني . . ولم يُسمعني:   أنا أريد ولدي، سوف آخذه عندي في بيتي ليستريح . . .


مَازِلْتُ طِفْلَك َ. . خُذْنِي ، واحْضُنِ التَّعَبَا
وافْرِشْ عَلَى سَهَرِي الأَجْفَانَ وَالهُدُبَا

مَا زِلْتُ طِفْلَكَ لَمْ أَكْبُرْ وَإِنْ رَقَصَتْ
عَلَى رَبيعِي طُيُوفُ النُّورِ فَاخْتَضَبَا

طِفْلٌ . . وَلَكِنَّ أَلْعَابي مُغَرَّبَةٌ
وَلَمْ أَزَلْ أَعْشَقُ الأَحْضَانَ واللُّعَبَا

طِفْلٌ كَمَا كَانَ في كَفَّيْكَ دَلَّــلَه
حَنَانُ رُوحِكَ ، حَتَّى شَبَّ فَاغْتَرَبَا

لَمْ يَرْتَحِلْ – قَطُّ – إِلاَّ نُورُ طَلْعَتِكُمْ
في قَلْبهِ كَشُعَاعِ البَدْرِ مُنْسَكِبَا

وَفي مَدَارِ عُلاَكُمْ جَالَ كَوْكَبُهُ
فَسَاحَ شَوْقًا وَجَافَى النَّوْمَ وَالطَّرَبَا

تَطَلَّعَتْ نَفْسُهُ للعِزِّ فَارْتَفَعَتْ
عَنِ الدَّنَايَا ، وَطَارَتْ للعُلاَ شُهُبَا

وَلَمْ يَزَلْ بَيْنَ رَاحَاتِ الزَّمَانِ فَتًى
يَفُوحُ بالحُبِّ قَلْبًا لَمْ يَزَلْ رَطِبَا

إِذَا ادْلَهَمَّ عَلَيَّ اللَّيْلُ عَاوَدَنِي
نُورٌُ يُمَزِّقُ لِي أَعْصَابَهُ إِرَبَا

حَتَّى أَرَى بعُيُونِ النَّاسِ مَا رَغِبُوا
مِنْ صِحَّتِي فَأَزِيدُ الكَيْلَ وَالطَّلَبَا

يَسْرِي بيَ اللَّيْلُ ، والسَّاعَاتُ تَعْجَبُ مِنْ
صَلِيلِ مِرْوَدِ أَقْلاَمِي إِذَا انـْتَحَبَا

حَتَّى إِذَا مَا أَتَمَّ الهَمُّ جَوْلَتَهُ
تَبَرْعَمَ النُّورُ في أَفْنَانِ مَا كُتِبَا

أُحِسُّ أَنَّ إِلَهِي قَدْ تَخَدَّمَنِي
فَيَطْفُرُ الدَّمْعُ مِنْ عَيْنَيَّ مُلْتَهِبَا

مَنْ ذَا أَكُونُ أَنَا حَتَّى يُشَرِّفَنِي
بقُرْبهِ . . يَا لزَهْوٍ بَاتَ مُكْتَئِبَا

أَذَلِكَ الظَّنُّ مِنْ عُجْبي فَيَا سَنَدِي
عَفْوًا . . وَعَفْوًا . . إِذَا الظَّنُّ الجَمِيلُ كَبَا

أَبي وَلِيدُكَ لَمْ يَبْرَحْ حَدِيقَتَكْ الَّـــــــ
ــــــتِي غَرَسْتَ ، وَإِنْ أَسْرَى فَمَا هَرَبَا

لَكِنَّهُ المَجْدُ قَدْ لاَحَتْ بَوَارِقُهُ
فَأَفْلَتَتْ نَفْسُهُ مِنْ نَفْسِهِ شُهُبَا

دِمَاءُ عِزَّتِكَ المَمْشُوقَةِ ارْتَحَلَتْ
بهَا دِمَايَ . . فَلِمْ تُبْدِي لَهَا العَجَبَا؟

إِذَا رَأَيْتَ طُمُوحِي قَدْ شَوَى جَسَدِي
وَأَشْعَلَ الجَمْرَ في جَفْنَيَّ ، وَاحْتَطَبَا

وَشِمْتَ في قَلْبي الفَوَّارِ وَقْدَ لَظًى
فَمِنْ دِمَاكَ قَبَسْتُ النَّارَ واللَّهَبَا

مَاذَا سَأَصْنَعُ بالأَشْوَاقِ في خَلَدِي
وَهْيَ الَّتِي تَعْشَقُ العَلْيَاءَ والنَّصَبَا

( بَصُرْتُ بالرَّاحَةِ الكُبْرَى فَلَمْ أَرَهَا )
تُنَالُ إِلاَّ لِمَنْ وَفَّى لَهَا التَّعَبَا

دَعْنِي أَذُقْ بَعْضَ مَا ذَاقَ الأُلَى صَبَرُوا
حَتَّى تَخَطُّوا مَجَالَ الطَّيرِ والسُّحُبَا

هَبْنِي صَلَيْتُ فُؤَادِي بالَّذِي هَرِمُوا
في جَنْيهِ ، أَوَ لَيْسَ المَجْدُ مَا صَعُبَا

هَلْ أَحْسَبُ المَجْدَ تَمْرًا سَوْفَ آكُلُهُ
لَنْ أَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى أَجْرَعَ الكُرَبَا

لَكِنَّنِي . . وَبفَضْلٍ أَنْتَ مَانِحُهُ
– بَعْدَ الإِلَهِ – كَأَنِّي أَقْطِفُ العِنَبَا

جَعَلْتُ هَمِّي رِضَا رَبِّي فَكَانَ لَـهُ
مِمَّا أَضَاءَ حَيَاتِي كُلُّ مَا وَهَبَا

فَمَا سَلَكْتُ لِغَايَاتِي دَرُوبَ خَنَا
وَلَسْتُ مِمَّنْ عَلَى الأَعْتَابِ قَدْ نَعَبَا

وَمَا وَضَعْتُ عَلَى بَوَّابَةٍ قَدَمِي
إلاَّ تَوَخَّيْتُ فِيها العِلْمَ والأَدَبَا

أَسِيرُ واللهُ مِلءُ القَلْبِ خَشْيَتُهُ
تَذُبُّ عَنِي حُتُوفَ الخَوْفِ وَالرَّيَبَا

وَسِيرَةُ المُصْطَفَى في دَرْبِ مُعْتَرَكِي
مَعَ الحَيَاةِ تُرَوِّي هِمَّتِي قُضَُبَا

تُُظِلُّنِي مِنْكُمُ الدَّعْوَاتُ خَالِصَةً
فَمَا أُحِسُّ سِيَاطَ الشَّمْسِ غَيْرَ هََبَا

يَلُوحُ لِي دَمْعُ حُسَّادِي فَأَرْحَمُهُمْ
بأَنْ أُخَبِّئََ عَنْهُمْ مَا الكَرِيمُ حَبَا

مَاذَا جَنَيْتُ عَلَيْهِمْ كي تُعَذِّبَهُمْ
هِبَاتُ رَبيَ . . فَلْيَجْنُوا العَذَابَ رِبَا

أَبي فَدَيْتُكَ . . لاَ تُتْعِبْ فُؤَادَكَ بي
فَقَدْ رَأَيْتُ وَرَاءَ المُرِّ مَا عَذُبَا

فَإِنْ ظَفَرْتُ فَتِبْرٌ أَنْتَ مَنْجَمُهُ
وَمَا صَنَعْتُ سِوَى أَنْ صُغْتُهُ ذَهَبَا

وَإِنْ قَضَيْتُ ، فَقُلْ يَارَبِّ أَنـْتَ لَـهُ
وَقَدْ رَضِيتُ بمَا قَدَّرْتَ مُحْتَسِبَا

واهْتِفْ بمِلْءِ جَمَالِ الرُّوحِ – مُبْتَهِلاً – :
حَبَا إِلَيْكَ ، فَأَكْرِمْ مَنْ إِلَيْكَ حَبَا

أَبي كَمَا شِئْتَ خُذْنِي . . إِنـَّنِي وَلِـهٌ
وَفي رِحَابكَ يَزْهُو كُلُّ مَا شَحُبَا

خُذْنِي إِلَيْكَ فَإِنَّ الشَّوْقَ بَرَّحَ بي
أَلَسَتَ تُشْفِقُ لَوْ شَاهَدْتَنِي تَعِبَا

خُذْنِي فَمَا كُنْتُ في زَوْجِي وَلاَ وَلَدِي
كَمَا أَكُونُ إِلَى عَيْنَيْكَ مُقْتَرِبَا

واهْطُلْ بعَتْبكَ . . ذَكِّرْنِي صِبَايَ فَمَا


أَحْلَى العِتَابَ . . إِذَا كَانَ العَتُوبُ أَبَا

 

عمّان – الأردن 27/10/1423هـ



اترك تعليقاً