التحرش الجنسي المشكلة والمعالجات

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونثني عليه الخير كله، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا.

أما بعد: فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، فإن التقوى خير لباس، ولباس التقوى ذلك خير، وإنها خير الزاد، {إن خير الزاد التقوى}.

أيها الإخوة الكرام

كثيرا ما نؤخر الحديث عن بعض المشكلات في حياتنا الاجتماعية على المنابر خوفا وحذرا وحياء. ولكن سكوتنا عن الخوض فيها لن يكون نافعا، بل ربما يكون كإهمال الجرح، والصدود عن مرض معد، وكفاك بهما قاتلين للفرد والمجتمع.

حديثي اليوم مما يجب أن يعيه الآباء والأمهات، والمعلمون والمعلمات، بل والشباب والفتيات، بل الصبية والبنيات؛ كل بحسب سنه وقدرته على الفهم والاستيعاب؛ لا أن نستمر في الكتمان والصمت والتجاهل؛ إنهاقضية التحرش الجنسي بالأطفال أو بالبنات أو حتى بالفتيان؛ بدءا بكشف العورات بقصد الإثارة الجنسية، وانتهاء بالاعتداء الكامل عليهم. فهذه الظاهرة تعد إحدى المعضلات النفسية التييعاني منها الضحية وأسرته ربما مدى الحياة؛ فيكونوا أسرى جريمة ليس لهم فيها يد.

وحينما نتحدث عن التحرش الجنسي، فإننا نتحدث عن أحزان وآلامونتائج سيئة لبدايات وسلوكات خاطئة؛ وبالطبع عن أسر تصدَّعت، وتأثَّرت.

وأطراف المتأثرين بالتحرش عدة:المتحرَّش به، والمتحرِّش، وأسرة المتحرَّش به، وأسرة المتحرِّش. وتزداد القضيةتعقيدًا حينما يكون أطراف المشكلة من الأقارب أو المحارم.

وأسباب التحرش كثيرة، منها تجاوز الأسر المسلمة للحدود الشرعية في التعامل القولي والفعلي والخلوات، والانفتاح على صور الرذيلة بكل وسائط الاتصال التي أصبحت في جيوب الناس وبين أناملهم ليل نهار.ومنها إهمال الوالدين والمربين واستبعادهم وقوع هذه الكارثة الشنيعة في بيوتهم، وعلى أطفالهم، وعلى بناتهم، ومنها سوء تربية المتحرِّشين، أو أصحاب السوء الذين أحاطوا بهم.

كما علينا أن نقرَّ بدور الجو العام الذي أصبح يعج بالمثيراتٍوالمرغِّبات، في حين لا يزال المجتمع يضع العوائق في طريق الزواج الشرعي، ولم يعالج بلية البطالة وشبح العنوسة، إلى جانب خفوت صورة القدوة المثلى أمام شبابنا وأطفالنا في المنزل والمدرسة.

 ولكن هل الحل أن نضع أطفالنا وبناتنا في قمقم لنحميهم من التحرش الجنسي؟ وهل العقوبات الموجهة ضد المتحرِّشجنسياً كافية من أجل ردعه؟ حتى يكون عبرة لأمثاله من المقدمين على هذا الفعلالمشين، وهل ننتظر حتى تقوم الأدلة على الفاعل لنقيم عليه الحد أو التعزير؟ وهي القضية التي تغطى بالصمت غالبا خشية الفضيحة، فيسلم المجرم، ويتجرع الضحية مرارة القهر والظلم والانطوائية والهوس ربما طوال الحياة.

الوقاية خير من العلاج، والحذر يبدأ بتوعية الأسرة بكيفية تربية الأولاد وإرشادهم، وذلك بأنتتسلح للقيام بهذا الدور المتعاظم الأهمية بكثير من الحكمة والاطلاع، والتعرف علىالخصائص المختلفة للمراحل النمائية المختلفة لأبنائها، وتنهض بالتوعية  الجنسية لهم، هذه المساحة التي ظلت لسنين طوالٍ منطقة محظورة الاقتراب؛ فكانت سببا رئيسا في وقوع حالات التحرش الجنسي بالأطفال؛ وتفاقمها، إذ غالبا ما يستغلالمتحرِّش جهل وبراءة الطفل أو الطفلة أو اليافعين أو حتى بعض المراهقات، ليوقعه في براثنه تحت خدعة أنها لعبة منالألعاب كالتي يمارسها الأطفال مع بعضهم، فينقاد الطفل في براءة لما يحدث، وتكونالكارثة بعد ذلك.

وما يزال هناك عدد من المربين والآباء والأمهات يتساءلون: هل يجوزللمربي أن يحادث ابنه أو ابنته في المسائل الجنسية؟ وإذا كان هذا جائزا فما السن المناسبة لذلك؟ إن الحديث عن الجنس أمام الأولاد يجب أن يكون مناسبا لأعمارهم، وبما يحتاجون إليه فقط؛ دون تقصير؛ حتى لا يضطروا أن يأخذوا المعلومة ممن لا خلاق لهم، فيستغلوهم، أو يعطوها لهم بقدر زائد عن الحاجة، ولا يصح أن نقدمها لها نحن بزيادة مفرطة؛ فتضر بهم.

لابد من التحذير من الاقتراب من الكبار اقترابا جسديا مريبا في داخل البيت أو خارجه، أو قبول دعوتهم لركوب سيارة، أو مشاهدة تفحيط، أو أخذ مال، أو طعام أو شراب، فضلا عن الذهاب معهم إلى استراحة أو مطعم ونحوه، أو حتى ليدلوهم على جار بصحبتهم ماشين أو راكبين.

كما أن الأسرة مسؤولة عن وقوع ابنها في هذا المستنقع الآسن حين تُلبسَه ملابسَ ضيقة تبرز مفاتنه أمام الشاذين ومرضى النفوس مما يثير غرائزهم المفتونة، أو تدعه يتميع في حركاته ونبراته؛ يقول الله تعالى: {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا}.

فلا بد من تربية الأبناء على الخشونة ونبذ الميوعة والتخنث، وتربية البنات على الستر وتعويدهنعلى الحجاب قبل سن البلوغ, فإن من أهم أسباب جرأة من يعتدي على الطفل، مظهرَ الطفلنفسه خاصةً إذا كان الطفل وسيم الطلعة، ممتلئ الجسم، فيعوده الأب علىالخشونة في المأكل والملبس، ويعوده ممارسة الرياضة القوية التي تبني جسمه وتخشّنجلده، ولا بأس بحلاقة رأسه إذا كان شعره هو سبب جماله، اقتداءً بعمر بن الخطاب رضيالله عنه في التعامل مع الرجل الجميل الذي افتتنت به النساء.

كما يراعى عدمالتساهل في ملابس البنت خاصة إذا ظهر عليها جمال الوجه والجسم منذ وقت مبكر، فتعوّدعلى الملابس المحتشمة بعيدا عن العاري أو الضيق جدا الذي يبرز مفاتن جسدها ويغريبها من لا خلاق لهم- رغم صغرها-، ويستحب تعويدها على ارتداء الحجاب بشكل غير إلزاميوهي بعد صغيرة، حتى تألفه، وفي نفس الوقت حتى تربى على الصيانة والستر وتتشكل نفسهاعلى ذلك، وهذه التربية من شأنها أن تحمي الأبناء من الاعتداء وتصد الطامعين الآثمينفي الوقت نفسه.

لا بد منزرع الوازع الديني في الأطفال منذ الصغر، والاستمرار في ذلك حين يصبحون شبابا، وتعليمهم أنه لا علاقة جنسية شرعية تتم فيديننا الإسلامي الحنيف إلا عن طريق الزواج الشرعي، وكل ما وراء ذلك فهو حرام ويعاقَبعليه الإنسان من قبل الله سبحانه وتعالى دنيا وأخرى.

لا بد من تعليمهم عدم كشف العورة إلا للضرورة كالطبيب مثلا، وتعليم الابن الحفاظ على المسافة الجسدية المناسبة بينه وبين الآخرين،وعدم الملامسة في أماكن غير مقبولة من الجسم، وعدم أخذ الهدايا  من أناس غرباء، ونأخذ بمبدأ من أين لك هذا؟!، وإذا تعرض لذلك من أي شخص فلا بد أن يخبر والديه،لذلك يجب أن تكون هناك علاقة ثقة بين الابن ووالديه، وأن تكون هناك علاقة قوية ومتينة وحميمة بينالأم وابنتها بحيث تتيح لها البوح بمكنوناتها الداخلية وعدم الخجل من اطلاع الأمعما يواجهها من مشكلات.

ويكون ذلك في هدوء نفسي بين الطرفين، وفي جو من المحبة والود والألفة، فلن يسمع الصغير ويعيرنصائح المربين اهتماماً ما لم تكن الصداقة والمحبة هي جسر التواصل فيما بينهما،كما أن الكلام والحديث في مثل هذه الأمور الحساسة (التربية الجنسية) تحتاج إلىاختيار البيئة والزمان والمكان الملائمين، وعدم التهرب من تساؤلاته، بل يجب أنيكون المربي كنز المعرفة الأمين، فإحساس الطفل بالأمان والطمأنينة يلعب دوراً كبيراً فيقدرته على البوح بما داخله. لقطع الطريق أمام الطفل أن يكتشف ويعرف ويدرك خارجنطاق الأسرة، حتى لا تتلقفه أياد غير أمينة قد توقعه في براثن الانحراف، وحتى لايتشبع بمعطيات جنسية تتساقط عليه من كل حدب وصوب، فالمعلومات التي يتلقاها الأبناء على غزارتها الكمية، مجتزأة، مبعثرة، ناقصة، كما إنها تضفي على “الجنس” طابعًادنيئًا، بعيدا عن وظيفته الأساس المتمثلة في إعمار الكون، وإشباع الحاجاتالجسدية بصورة سليمة وشرعية.

لقد قال الله تعالى، وقال رسوله صلى الله عليه وسلم في التربية الجنسية كثيرا جدا، ولكن بلغة راقية، وبأسلوب ميسر، لا إفراط فيه ولا تفريط؛ لأنهجزء من الحياة وضع له ديننا الأطر الصحيحة للتعامل معه، وكانت أمورهتناقش علناً في مجلس الرسول الكريم، {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم4]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر7].

       بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الأخرى.

الحمد لله عدد كل شيء خلقه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا    أما بعد

فاتقوا الله عباد الله

إن من مسؤلية الآباء والمربين ألا تغفل عيونهم عن مراقبة أولادهم وتلاميذهم وملاحظتهم حتى بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فقد يقع العدوان من أحدهم على الآخر، ولا يعني ذلك حرمانهم من حرية الحركة والتعبير عن الذات، لكنها عيـن الحارس والمتابع،كما ينبغي أن يلاحظوا أية تغيرات تظهرعليهم، فإن بدا من ذلك شيء وجب علاجه قبل أن يكبر ويستفحل ويستشري، وهذه هيالمسئولية التي كلَّف الله تعالى بها كل أبٍ ومربٍّ، روى أبو داود في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا كلكم راع وكلكم مسئول عنرعيته فالأمير الذي على الناس راع عليهم وهو مسئول عنهم والرجل راع على أهل بيتهوهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم والعبد راع علىمال سيده وهو مسئول عنه فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) وأخرجهالبخاري ومسلم.

والاعتداء الجنسي على الأطفال خطرٌ محدقٌ، وإذا كان هذا الاعتداء منقريب أو جار أو زميل في المدرسة فإنه عادة ما يصاحبه تهديدٌ ووعيدٌ حتى لا يفشيالصغير السر، كما أن الاعتداء غالبًا ما يكون متكرراً، نظرا لسهولة تواجد هذاالشخص في محيط الطفل، وبذلك قد يستمر الخطأ ربما لوقت طويل، وتظهر آثاره على حالةالطفل النفسية؛ من اضطرابات سلوكية، وكوابيس، وضعف شهية، وميل للعزلة، وتبول لا إرادي، وضعفوتراجع دراسي، وأكثر من ذلك تتشوه شخصيته تشويهاً قد يلازمه طوال حياته، ويصعبعلاجه والتخلص تماماً من آثاره، وقد يستمر الطفل في ممارسة الخطأ نفسه حتى يكبر، بل قديتعود عليه، ويطلبه بنفسه.

فإذا تعرض الطفل للتحرش الجنسي فيجب طمأنته، ومحاولة استدراجه لمعرفة ما حدث له بالضبط، دون توبيخ له، ولا اتهام بالضعف، ولا لوم له أنه لم يدافع عن نفسه، بل يساند نفسيا حتى يهدأ، ويمتص المربي كل التفاعلات النفسية التي حدثت له، ويرسم له طريقا للخلاص مما هو فيه من ارتكاس نفسي شديد، ويفتح له أبواب الرجولة والقدرة على الدفاع عن نفسه في المستقبل، ويأخذه في يده في غدوه ورواحه ليؤمنه نفسيا.

وأما التعامل مع المتحرِّش فيجب أن يكون بحزم شديد، وإبلاغ الجهاتالمختصة لإقامة الحد أو التعزير عليه علانية، لإيقاف هذه الجرائم المتتابعة، وهذا السلوك المدمر الذي يدمر الأطفال نفسياً ومعنوياً، وإذا لم يبلغ الأمر إلى الجهات المختصة، وأراد الذي وقع في التحرش بمجهول ما التوبة إلى الله، والعودة عن طريق الغواية، فيجب أن نتلقفه بالقبول، ونسعى لعلاجه نفسيا وشرعيا؛ حتى يشفى من مرضه العضال، ففي ذلك حماية له وللمجتمع كله.

اللهم يا  عظيم العفو، يا واسع المغفرة، يا قريب الرحمة، يا ذا الجلال والإكرام، هب لنا العافية في الدنيا والآخرة، اللهم فرغنا لما خلقتنا له، ولا تشغلنا بما تكفلت به لنا، واجعلنا ممن يؤمن بلقائك، ويرضى بقضائك، ويقنع بعطائك، ويخشاك حق خشيتك.

اللهم اجعل رزقنا رغدا، ولا تشمت بنا أحدا، اللهم رغبنا فيما يبقى، وزهدنا فيما يفنى، واهب لنا اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعول في الدين إلا عليه، اللهم إنا نسألك بعزك الذي لا يرام، وملكك الذي لا يضام، وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفينا شر ما أهمنا وما لا نهتم به، وأن تعيذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين. 

اللهم وفق حكام المسلمين لما فيه خير لشعوبهم، ونصرة دينهم، وتحرير مقدساتهم، ووحد على الخير صفوفهم، إنك أنت السميع العليم.

اللهم وفق ولي أمرنا إلى ما تحبه وترضاه، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة، التي تعينه على الخير، وتدله عليه.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقوموا إلى صلاتكم أثابكم الله.            

من مراجع الخطبة:

1.              التحرش الجنسي بين الحذر والتحذير للدكتور صلاح فؤاد مكاوي؛ المستشار.

2.              خواطر.. حول التحرش الجنسي بالأطفال. أ.ربيع عبد الرؤوف عامر. المستشار.

3.              خواطر.. حول التحرش الجنسي بالأطفال.روحي عبدات.

 

4.    ست وعشرون وسيلة لحماية الأسرة والمجتمع من التحرش الجنسي للشيخ أمير بن محمد المدري ـ المستشار.



اترك تعليقاً