التوكل على الله

التوكل على الله
الخطبة الأولى:
حمدًا كريمًا لمن تفرد بالعظمة والكبرياء، وحمدًا متواصلاً لمن بيده مقادير كل شيء، حمدًا له من كل قلب مؤمن، ومن كل نفس مخبتة، حمدًا له على كل نعمة، وحمدًا له في السراء والضراء، لك الحمد يا ربنا بما أعطيت وأوليت، ولك الشكر بما أجزلت وأكرمت، ولك الحمد بما حلمت وعفوت، ولك الحمد بما سترت وغفرت، الحمد كله لك، والشكر موصول لجنابك، والثناء استحقه سلطانك، تعطي وتمنع، وتحيي وتميت، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير.
ونشهد ألا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، كل شيء هالك إلا وجهك، عزّ جاهك، وتقدست أسماؤك، ونشهد أن محمدًا عبدك ورسولك، اصطفيته على خلقك بأكرم رسالة، وأعظم نبوة، عبدك ورسولك، وخليلك وحبيبك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فيا أيها الأحبة في الله: يا من جمعكم الله تعالى في بيت من بيوته، له تسجدون، ولعظمته تركعون، وإليه في حاجاتكم تصمدون، أوصيكم بتقوى الله وطاعته، { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: 1.2].
أيها الأحبة في الله: حينما يعزم المرء على فعل أمر ما، أو حين يصاب بالخوف من المصائب والكوارث والمهلكات، تراه يختار أحد اتجاهين:
إما حال المؤمنين المتوكلين على خالقهم سبحانه، الذي يتولى أمورهم، وينفّس كرباتهم، ويرفع عن قلوبهم مخاوفهم وهمومهم.
وإما حال الحائرين، الذين ضلوا السبيل، فراحوا يتخبطون في طرق الهلاك، وحفر المصائب ظنًّا منهم أنهم قوارب النجاة.
ولنعش يا أحبتنا مع الصنف الأول: ذلك الصنف الذي يتربع الأمن على قلبه المتوكل على خالقه سبحانه، يزينه اليقين بحفظ ربه له ما دام أنه قد حفظه في شرائعه وأحكامه، لا تهزه المفاجئات، ولا ترعبه المؤامرات، سلّم أمره بيد من يعلم السر وأخفى، نبراسه قول الحبيب : ((احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ)) رواه الترمذي وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
أيُّ دواء هذا الذي يكسب الإنسان مناعة من الإصابة بالجزع، أو الصدمات النفسية الخطيرة؟ أيُّ أمر هذا الذي يحيط الإنسان بحماية إلهية قوية، لا تعرف النوم ولا الكسل ولا الملل، لعمري إنه الدواء الذي استخدمه خليل الله إبراهيم  في أبشع المواقف وحشية، وأشد المشاهد هلعًا، حينما أُلقي في النار التي أضرمها له قومه غيظًا وحنقًا؛ لأنه يقول: ربي الله، ولتطلق لخيالك العنان، ولتتصور ما الذي سوف يصنع من رفع على المنجنيق وشاهد السنة اللهب تتلمظ من بعيد تنتظر لحمه وعظمه! إن إبراهيم  نطق بكلمة جعلت له النار المحرقة بردًا وسلاما بإذن ربه، ألا وهي قوله: ((حسبنا الله ونعم الوكيل)) رواه البخاري.
وإنه لعمر الحق الدواء الذي خالط نفس نبينا محمد  حينما كاد له الناس وأجمعوا على حربه، فقال الله مصورًا هذا اليقين، وما نتج عنه من ثمرة: الذين قال لهم الناس إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم رواه البخاري.
بل كيف نتجاهل أمر التوكل على الله تعالى، وهو السلاح الذي نشأت عليه دولة الإسلام، ها هو ذا أبو بكر الصديق  في طريق هجرته مع الحبيب  وقد أويا إلى الغار، والمشركون يتربصون بهم، فلم يبق بينهم وبينهما إلا حفظ الله ورعايته وكفى بها حائلاً ومانعًا، يقول أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: (نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ رسول الله : يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا!) رواه مسلم.
أيها الأحباب: لقد غفل كثير من الناس عن هذا الدرع الواقي، والسلاح الماضي، فما عاد معنى التوكل يسكن قلوبهم، ولا يطمئن جوارحهم، ولا يسكن روعهم فتكالبت عليهم الشدائد، وأضنتهم الكروب، فما عرفوا للخلاص منها سبيلاً، أينهم من دعاء النبي  في خروجه من منزله، فإنه رمز للتوكل، وعنوان لليقين والتسليم، يقول : (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ) رواه أبو داود وصححه الألباني.
أين الذين كلت أبدانهم طلبًا للرزق، وبحثًا عن الغنى، عن ينبوعه الصافي، ومورده الشافي، تراهم يطرقون أبواب المخلوقين الضعفاء، ويستحقرون باب أغنى الأغنياء، أترى تكون الطير بهذا الباب أعلم، وبمفتاحه أحكم، يا ليتنا نتلمس طريق الطيور في طلبها للأرزاق، فإنا نراها تنطلق بكل ثقة فجر كل يوم، تبحث عن لقمة تعيش بها، بطونها من الغذاء خاوية، ولكنها في الله واثقة، فما طير يموت جوعا، بل تغدو خماصا، وتعود بطانا، يقول الرسول : ( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) رواه الترمذي وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
أين من دبت في أوصالهم الأسقام، وأرقت عيونهم الأوصاب، أين هم من معنى التوكل على الله الذي اعتز به إبراهيم الخليل  أمام قومه فقال:  الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ  [الصافات: 78 – 81].
ولترعني سمعك لهذا الموقف النبوي الظريف في تجسيد معنى التوكل على الخالق سبحانه، قال جابر بن عبد الله : كنا مع رسول الله  بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ، فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله  معلّق بالشجرة، فاستلَّه منه وأخذه، فقال المشرك: تخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله، وفي رواية أخرى، قال فمن يمنعك مني؟ قال: الله، قال: فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله  السيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال المشرك: كن خير آخذ، فقال: تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى المشرك أصحابه فقال: جئتكم من عند خير الناس) وأصل القصة متفق عليها.
أحبتنا الكرام: من منا لا يطمح في الجنة، ولا يؤمل نفسه بها، حتى ولو ينال من الحساب ما ينال، لكن المتوكلين على الله، أنفسهم في فضل الله أشد طمعًا، وأكثر رغبة، فهم فئة وعدهم الله تعالى أن يدخلهم الجنة بدون حساب.. ولا عذاب، إنه عرض مغرٍ لمن يملك بين أضلاعه نفسًا تواقة لرضا الله تعالى، وقد بشّرنا به المصطفى  كما ورد في حديث عكاشة الشهير.
عباد الله: ومن الناس من ضعف في قلوبهم معنى التوكل، ونسوا بأن الله مطلع عليهم، وأسلموا أنفسهم للوساوس والأوهام، وبنوا حياتهم على خيوط العنكبوت، فراحوا يعلّقون أمورهم على ما لا يضر ولا ينفع، ويتخذون قراراتهم في حياتهم على ما لا تطمئن له الفطر السليمة، ولا تقبله العقول الصحيحة، وساروا خلف سراب الجاهلية الأولى فاتكئوا على طيور طائرة، ونجوم سائرة، وتشاءموا بأنواع البهائم التي لا يعنيها من أمرهم شيئًا. وما التطير إلا واحدًا من وسائل الشيطان التي يضل به عباد الله عن التوكل على خالقهم.
وحقيقته: أنه إذا عزم على فعل أمر ما كسفر مثلاً، خرج فإذا رأى الطير طار على الجهة اليمنى تفاءل به، وأحس أنه سفره، أو ما أراد فعله في الخير والصلاح لنفسه.
أما إذا رأى الطير طار على الجهة اليسرى، تشاءم مما عزم على فعله، فيتركه من ساعته؛ إذ إنه يرى أن هذا الطير كأنه ينبئه بِشَرٍّ ينتظره في سفره أو نحو ذلك.
وقد تقول: أين من يتطير الآن؟
فأقول لك: ليس التطير إلا شكلاً من أشكال التشاؤم المذموم، فإن الذي يرى الغراب فيكتئب، فإنه متطير، والذي يواجه كلبًا أسود _ أعزكم الله _ فيضيق صدره خوفًا مما سيقع له في ذلك اليوم متطير أيضًا، والذي ينظر إلى السماء فيرى نجمًا معينًا فيصده عن أمره الذي عزم عليه، متطير أيضًا، والذي يصادف رجلاً مريضًا أو إنسانًا يكرهه ويبغضه في أول يومه ثم يغلق محله تشاؤمًا متطير أيضًا، والذي تشمئز نفسه من أحد الشهور متطير أيضًا، وهكذا.
لا شك أن المسلم لا يخفى عليه تحريم التطير بكل أنواعه، ولكن لماذا حرم التطير؟ أليس هو علمًا من العلوم، أو فنًّا من الفنون؟
أيها الأحبة في الله: إن من خلق نفوسنا هو أعلم بما يُصلحها، وهو أدرى بما يفسدها أيضًا، ولقد شرع لنا من الدين ما ملأ نفوسنا ثقة به، أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأوضح السبيل، لا لشيء إلا ليوحد في عبادته، وليعبد هو دون سواه،  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
فأين توحيد الله عند من جعل الطير يعلم نتيجة أمره من خير أو شر، وأين توحيد الله عند من جعل رزقه مرهونًا بأشكال من الإنس أو من الجماد يراها، يدعي معرفة ما قدره الله له منها إن خيرًا أو شرًّا، بل أين التوكل على الله تعالى وأنه هو وحده الذي يعلم الغيب دون سواه عند من جعل أمره بيد الأوهام والظنون الباطلة؟
إنك لا بد أن تؤمن بأن الله هو مصرّف الأمور وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فلا تنصرف نفسك إلى غيره، ولا تتكل على أحد سواه، يقول سبحانه:  مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ  [الحديد: 22].
إنك لو تتبعت آيات التطير في القرآن الكريم، فسوف ترى أنها كلها بلا استثناء من عادات المشركين والكفرة وأهل الجاهلية، ويكفي في ذلك ذمًا لها.
يقول الرسول  محذرًا أمته من هذا الداء العضال: ((لا عدوى ولا طيرة)) رواه مسلم. أي: لا اعتماد على التطير في الإسلام في معرفة المغيبات من الأمور المستقبلية، بل إن علم الله هو المستقل بذلك، وأن ما يجده الإنسان من التشاؤم من الأشياء المستكرهة إلى نفسه ينبغي أن يطرده بحسن التوكل على الله تعالى، ولا يلتفت إلى شيء من هذه الأوهام التي تهزّ توحيده، وتنفي كماله.
روى أبو داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول: ((إن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم فأبطل النبي  ذلك)).
قال ابن رجب: ((وكثير من الجهال يتشاءم بصفر، وربما ينهى عن السفر فيه، والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيوم الأربعاء، وتشاؤم أهل الجاهلية في النكاح فيه خاصة)).
ولكن ماذا لو أصرّ الإنسان على أن يتولى عن التوكل ويقدم على التطير؟
إننا نعلم يقينًا أنه ما تعلق بالتطير بأنواعه إلا هروبًا مما سيقع به من الشرور والبلايا، ولكن النتيجة المرّة التي وعد الله من أعرض عن التوكل عليه، واستند على التطير هو أنه يحل عليه ما هرب منه من المكروهات، ليذوق وبال تطيره وبعده عن ربه.
روى ابن حبان في صحيحه عن أنس مرفوعًا: ((لا طيرة، والطيرة على من تطير)).
المراد بهذا الحديث: أن من تطير تطيرًا منهيًا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه ويراه حتى يمنعه مما يريده من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكرهه عقوبة له، فأما من توكل على الله ووثق به بحيث علق قلبه خوفًا ورجاء، وقطعه عن الالتفات إلى غير الله، فإنه لا يضره من ذلك شيئًا.
اللهم اجعلنا من أحبابك ومحبيك، المتوكلين عليك، اللهم نستغفرك ونتتوب إليك.

الخطبة الأخرى:
الحمد لله ذي الفضل والمنة، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى صحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن هناك فرقًا بين الطيرة والوحشة من الشيء أو فيه، فإن الطيرة أن تتشاءم من شيء معين؛ لأنه موصوف بوصف معين أو بلون معين، أو جهة معينة، وتظن أن في اتباعه خير لك أو شر بسبب هذا الوصف، فهذا هو الحرام.
أما إذا أصبت بوحشة من دار سكنتها، أو سيارة اشتريتها، حتى ضاقت نفسك منها، ووجدت الحرج في استبقائها، لا لكونها موصوفة بصفة معينة، ولا لكونها تنبؤك بأن حياتك فيها مليئة بالشر، فإن لك أن تبيعها وتستبدل غيرها من دون حرج، فالنفوس قد خلقها متباينة في الارتياح من الأشياء، بل حتى من النفوس ذاتها، فقد أباح الله لك أن تختار ما يريحك، وتدفع ما لا ترتاح منه.
أيها الإخوة المسلمون:
إن على المؤمن أن يملأ قلبه بالتوكل على الله، أن يعود نفسه على الفأل الحسن، فيظن في الله تعالى أنه سيقدر له الخير، ويكتب له ما يسر، وييسر له ما يستبشر به، فينظر بمنظار أبيض ناصع البياض، لا غبش فيه ولا سواد. لأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكرت الطيرة عند النبي  فقال: ((أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا، فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك)).
يقول ابن القيم رحمه الله: ((ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، ومن حب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها كما أخبرهم  أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكان يحب الحلوى والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان، ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق، ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير، وما يُفضي إليهما، والله سبحانه وتعالى قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع الاسم الحسن ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ذلك، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، وقوي لها القلب، وإذا سمعت أضدادها أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، وأثار لها خوفًا وطيرة وانكماشًا وانقباضًا عما قصدت له وعزمت عليه، فأورث لها ضررًا في الدنيا، ونقصًا في الإيمان، ومقارفة للشرك)).
فما أجمل الفأل، وما أروع التوكل، وما أبغض التطير والتشاؤم.
وقد شرع الله تعالى لنا دعاء الاستخارة في اختيار الأفضل من الأمور التي يتردد الإنسان في سلوكها من سفر أو زواج أو تجارة أو غير ذلك، ينطرح الإنسان بين يدي ربه في ركعتين يسأله أن يوفقه إلى الخير من أموره، وهو أحرى أن يدله عليه وهو العليم الخبير.
ولا ينبغي أن نغفل عن أن الإيمان بالقدر خيره وشره، ركن من أركان الإيمان، وركيزة من ركائز الدين.
وهب أن الإنسان تطير، فتشاءم من أمر ما، هل يستطيع أن يفر من شر كتب عليه، أم سيحصل على خير لم يكتب له؟
أي يومي من الموت أفر *** يوم لا قدر أم يوم قدر
يوم لا قدر لا أرهبه *** ومن المقدور لا ينجو الحذر
أحبتي الكرام: هذا إذا رأى المؤمن القدر خيرًا له، فما باله إذا رآه غير ذلك؟
هنا، وفي هذه اللحظة الحاسمة، تتمحص النفوس عند نزول البلاء، ويمتحن إيمانها، ليميز الله الخبيث من الطيب، ولتستين النفوس المؤمنة، من النفوس الضعيفة، فيغد من حلّ عليه قضاء الله وقدره كغريق في بحر مظلم، لا يدري إلى أين السبيل، ولا كيف النجاة، قد ألجمته المصيبة، فأخذ يتلمس المخرج من ضائقته، فياحسرة عليه إذا ضمه الشيطان إلى حزبه الخاسر، فانقلب على عقبيه، وتخلى عن إيمانه، وراح يعترض على قدر الله تعالى، يلطم خديه، ويندب حظه، ويمزق ثيابه، وينكس فطرته، وينقم على خالقه، يملأ قلبه بالجزع، ويركبه الهلع، ثم يصرخ في أعماق نفسه: ماذا فعلت يا ربي لكي تفعل بي هذا، أين رحمتك يارب؟ ثم يدعو على نفسه بالويل والنكبات.
فما والله يزيده جزعه إلا جزعًا، ولا يزيده اعتراضه على ربه إلا منه بُعدًا، فيزيد على ظلمته ظلمات، وعلى حسرته حسرات، وكأني به يركض في صحراء مقفرة بلا دليل، ويركب سفينة من غير قائد.
فيالله العجب، كيف يغفل الإنسان عن سر نجاته، ومصدر سعادته ورضاه، أليس الأولى به أن يسعد قلبه بالإيمان بقدر الله سبحانه، فيقول: قدّر الله وما شاء فعل، رضيت بما قسم الله لي، اللهم اجعلني من الصابرين المحتسبين، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله.
فيزهر الإيمان بالقدر في قلبه ورود الصبر، وترضى نفسه بما قسم الله لها من بلاء، ليرجع من مصيبته بعد الجزع بالرضا، وبعد القنوط بالرجاء، أليس حاله هذا خيرًا له من سابقه، بلى والله إنه لخير له.
وكيف لا يكون كذلك، والرسول  يقول: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)) رواه مسلم.
اللهم وفقنا لأحسن الأعمال لا يوفق إليها إلا أنت، ونعوذ بك من سيئها، فإنه لا يبعدنا عنها إلا أنت، اللهم أنت الرحيم فارحمنا، وأنت الحليم فاحلم علينا، وأنت التواب فتب علينا، أنت المقدم وأنت المؤخر، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير.
اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك.
اللهم فك أسرى المسلمين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضالهم، وهيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.



اترك تعليقاً