الرسول في نظر منصفي الغرب

الرسول في نظر منصفي الغرب

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله أكرمنا به رب العالمين على العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله وطاعته، {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29].

أيها الإخوة: لقد عرض الفيلم الهولندي المسيء إلى شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وأزواجه الطاهرات، في سياق تواصل حماقات سفهاء الغرب من جانب، وتتواصل أسئلة تائهيهم من جانب آخر، ما هذا الدين؟ ومن هذا النبي؟ ولماذا كل هذه الحملات الشرسة عليه بالذات؟ ومن الذي يقف وراء هذه الحملة؟ وتكون الإجابات هي انطلاق مئات الأفواه الشقراء: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، الإجابة كانت نفاد نسخ المصاحف الإلكترونية، الإجابة كانت انتعاش للمراكز الإسلامية في هولندا، الإجابة كانت انبعاث الحب العظيم للنبي العظيم صلى الله عليه وسلم في كل أنحاء المعمورة.

يقول الشاعر ماجد الجابري على لسان أحد المسلمين الجدد:

إنسانيون بلا حدّ          أنتم قلوب للرحمات

   بشر تدفعني طيبتهم          لأحلق في دفء النظرات

وأرى أرواحا مذهلة           تقتسم البسمة والعبرات

قوم عظماءُ ككعبتهم             تلك المحفوفة بالدعوات

يتوقف نبض شوارعهم            إن سمعوا الداعي للصلوات

ملكتني الدهشة حين مضت            للمسجد آلاف الخطوات

أحسست الكون يشاركهم        ويصلي في تلك اللحظات

حتى مرضاهم في المشفى       لا ينشغلون عن الركعات

تستفسر عيني أعينهم            فترد شفاهم بالبسمات

اقرأ فقرات مسراتي       ومساراتي في ديني حياة

وارتبك الشوق وخالطني          إحساس بالحاجة لدعاة

وسألت الشيخ فقدم لي          مفتاح الجنة في كلمات

ودعاني لأوحد ربَّا قد         جل إلهي عن الشبهات

فالآن وُلدت على يده            والدنيا من حولي نفحات

ووقفت أصلّي في صفِّ          السبق إليه من القربات

يا رب ارحم من أرشدني         واجعله موفور الحسنات

أهداني حسن معاملة             ودعاني بسلوك وعظات

من يهدي للجنة نفسًا            فعليه الرحمة والبركات

خير من حمر النعم ومن          ما في دنياه من الخيرات

وتتواصل عبارات الإعجاب الكبير بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من علمائهم وعظمائهم، مع كونهم لم يرتدوا عباءة الإسلام الضافية، ولكنهم قالوا كلمة حق سطرها التاريخ على ألسنتهم وفي كتبهم وتراثهم، وما عظموه كذلك إلا لأن مقاييسهم طفحت حين تعاملوا مع الرقي الشخصي والأخلاقي والحضاري الذي وجدوه في شخص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد (صلى الله عليه وسلم) إليها، فأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثل ما بلغ؟ قال تعالى: {الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [البقرة: 146].

وإني إذ أخصص هذه الخطبة للاستماع إلى زعماء الغربيين المنصفين في حق النبي الكريم صلى الله عليه سلم، لا يعني ذلك أننا محتاجون إلى شهادتهم لنبينا صلى الله عليه وسلم، حاشا وكلا!! ولكن ليعلم المسلمون أن ما يقوم به بعض سفهاء الغربيين اليوم وحاقديهم، لا يمثل العقول الكبيرة التي تفكر لهم.

يقول الكاتب والفيلسوف برناندشو الذي ألف كتابًا بعنوان (محمد) أُحرق في بريطانيا: “إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائمًا موضع الاحترام والإجلال، فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالدًا خلود الأبد، وإني أرى كثيرًا من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا). إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها”.

ويقول الدكتور هـ. ماركوس أستاذ الفلسفة الإسلامية بلندن في مقال له: “محمد رمز السياسة الدينية بلا جدال، ومثال الرجل السياسي الديني الشريف بلا نزاع. وإذ أقرر هذه الحقيقة الواقعية أعززها بحقيقة أخرى، وهي أن السياسة التي يمشي عليها محمد تسمو بكثير جدًّا عن السياسة الحزبية التي تتخبط أوروبا اليوم في لججها.. والتي لا تُعنَى إلا بالمنافع الذاتية والمصالح الشخصية”.

وقال الكاتب الإنكليزي المعروف (كاريل) في كتابه الأبطال: “لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر، أن يصغي إلى تلك الاتهامات التي وُجهت إلى الإسلام وإلى نبيه، وواجبنا أن نحارب ما يُشاع من مثل هذه الأقوال، السخيفة المخجلة”.

وأما العالم الموسوعي الكبير الدكتور (مايكل هارث) الذي أصدر كتابه (العظماء المائة) سنة 1980م وتُرجم إلى معظم لغات العالم الحية، فقد وجد الرسول محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يتقدم على رأس مائة شخصية تاريخية؛ برزوا في شتى فنون المعرفة الإنسانية؛ وقال مبررًا ذلك لبني قومه: “إن اختياري محمدًا، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.

… إن محمدًا هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضًا في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها”.

وقال الشاعر الفرنسي (لا مارتين): “إن حياة مثل حياة محمد وقوة كقوة تأمله وتفكيره وجهاده ووثبته على خرافات أمته وجاهلية شعبه، وبأسه في لقاء ما لقيه من عبدة الأوثان، وإيمانه بالظفر وإعلاء كلمته ورباطة جأشه، لتثبيت أركان العقيدة الإسلامية، إن كل ذلك أدلة على أنه لم يكن يضمر خداعًا أو يعيش على باطل، فهو فيلسوف وخطيب ورسول ومشرّع وهادٍ للإنسان إلى العقل، وناشر العقائد المعقولة الموافقة للذهن واللبّ، ومؤسس دين لا مرية فيه ولا صور ولا رقيات، ومنشئ دولة في الأرض وفاتح دولة في السماء من ناحية الروح والفؤاد، فأي رجل أدرك من العظمة الإنسانية مثل ما أدرك؛ وأي إنسان بلغ من مراتب الكمال مثل ما بلغ؟

وقال الفيلسوف الروسي (تولستوي) الأديب العالمي الذي يعد أدبه من أمتع ما كُتب في التراث الإنساني قاطبة عن النفس البشرية: “يكفي محمدًا فخرًا أنّه خلّص أمةً ذليلةً دمويةً من مخالب شياطين العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريقَ الرُّقي والتقدم، وأنّ شريعةَ محمدٍ، ستسودُ العالم لانسجامها مع العقل والحكمة”.

وذكر السير وليام موير الإنجليزي كتابه (حياة محمد) صفات الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفضائله الإنسانية العالية. وتأثر بها العالم الهندي (د. ت. ل. فسواني) فقال: “إليك يا محمد وأنا الخادم الحقير أقدم إجلالي بخضوع وتكريم، إليك أطأطئ رأسي، إنك لنبي حقًّا من الله، قوتك العظيمة كانت مستمدة من عالم الغيب الأزلي الأبدي”.

ويقول الدكتور زويمر المستشرق الكندي في كتابه (الشرق وعاداته): “إن محمدًا كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضًا بأنه كان مصلحًا قديرًا وبليغًا فصيحًا وجريئًا مغوارًا، ومفكرًا عظيمًا، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء”.

وصدق الله جل جلاله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53].

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من البيان، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الأخرى:

اللهم لك الحمد جعلتنا من أمة البشير النذير والسراج المنير، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، يقول لامرتين الشاعر الفرنسي العالمي، وأحد أشهر المؤثرين في الأدب العالمي: “إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيًّا من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عبقريته؟ فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة وسنوا القوانين وأقاموا الإمبراطوريات. فلم يجنوا إلا أمجادًا بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانَيْهم. لكن هذا الرجل (محمدًا صلى الله عليه وسلم) لم يقد الجيوش ويسن التشريعات ويقم الإمبراطوريات ويحكم الشعوب ويروض الحكام فقط، وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يعد ثلث العالم حينئذ. ليس هذا فقط، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان والأفكار والمعتقدات الباطلة.

هذا هو محمد (صلى الله عليه وسلم) الفيلسوف، الخطيب، النبي، المشرّع، المحارب، قاهر الأهواء، مؤسس المذاهب الفكرية التي تدعو إلى عبادة حقة، بلا أنصاب ولا أزلام. هو المؤسس لعشرين إمبراطورية في الأرض، وإمبراطورية روحانية واحدة. هذا هو محمد (صلى الله عليه وسلم).

بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

ويقول برنارد شو: “إن كثيرين من موطني ومن الأوروبيين الآخرين يقدسون تعاليم الإسلام، ولذلك يمكنني أن أؤكد نبوءتي فأقول: إن بوادر العصر الإسلامي الأوروبي قريبة لا محالة”.

أقول: ولم لا، وقد أكدت دراسة أعدتها صحيفة بلجيكية، أن الإسلام سيصبح الديانة الأولى في العاصمة البلجيكية خلال الخمس عشرة والعشرين سنة القادمة، وأن اسم محمد يتصدر بنسبة كبيرة أسماء المواليد الجدد في بروكسل منذ عام 2001م، ومثل ذلك أصبح اسم “محمد” أكثر الأسماء المفضلة في بريطانيا بالنسبة للمواليد الذكور وذلك بعد اسم “جاك” وفقًا لتقرير نشرته صحيفة “التايمز” البريطانية العام الماضي. ومن المتوقع أن يحتل اسم محمد المكانة الأولى المفضلة لأسماء الأولاد الذكور خلال العام الحالي بإذن الله تعالى، كما ذكرت هذه الدراسة.

ويقول واشنجتون ارفنج: “إن من أبرز صفات محمد تسامحه مع خصومه، ولسنا نعرف رجلاً في التاريخ كمحمد في هذا المضمار، لقد تسامح في أوقات كان الزعماء في أمثالها ينكِّلون بمن كانوا معارضين لهم تنكيلاً شديدًا بشعًا، ولكن تسامح محمد مع خصومه، ومع معارضيه، حقق له سيادة وتفوقًا على كل الزعماء عبر القرون”.

هذا هو محمد صلى الله عليه وسلم على لسان غير المسلمين، والحق ما شهدت به الأعداء، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

صلوا وسلموا على معلم الناس الخير ومربي البشرية على منهج الله القويم سيدنا ونبينا وقرة أعيننا محمد بن عبد الله كما أمركم الله جل وعلا بذلك فقال سبحانه: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك.

اللهم فك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضال المسلمين، اللهم انصر أهل الحسبة على من ناوأهم، واحفظهم من كل ضال مضلّ، وافضح من أضمر الشر لهم، وارزقهم الحكمة والموعظة الحسنة في عملهم، وآجرهم على أعمالهم.

اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 



اترك تعليقاً