الرقابة الذاتية

الرقابة الذاتية

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله وطاعته، كما أمرنا بذلك الله جل وعلا فقال في محكم التنزيل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [الحشر: 18].

في الحديث الصحيح عن ثوبان قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأعلمن أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباء منثورًا، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها))، حديث صحيح رواه ابن ماجه (4245) وصححه الألباني.

الحديث ـ أيها المؤمنون ـ يتحدث عن فريق من صفوة الأمة، ينشطون في الطاعات ذات العزائم، ولكنهم يضعفون أمام رغائبهم إذا فرغت عن مشاهدتهم الأعين، إنك تحس وأنت تسمع إلى هذا الحديث مدى ضعف النفس إذا تسلطت عليها رغبة دنيئة من رغائب الدنيا الدنية، وهل يمكن لضعيف أن يواجه قويًّا، إذا لم يكن قد تقوَّى بمن هو أقوى منه بأسًا، وأشد منه مراسًا! وهل هناك أقوى من الله! عز وجل وتقدس وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] إذن فليكن الملجأ هو الله تعالى، مصدر القوة والعظمة والتثبيت، ولكن الله لا يمنح قوته ونصره إلا لعباده المجتهدين على مجاهدة نفوسهم، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين} [العنكبوت: 69].

وحين توهم بعضهم أنه قد أصبح مؤمنًا بمجرد دخوله الإسلام قال الله تعالى لمثله: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 14 -15].

{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا.. }، إذن لا بد من إرادة بشرية، ومجاهدة نفسية، للوصول إلى مرحلة الصفاء والنقاء، لنكون من المؤمنين، المتقين، لنكون من العباد الذين يخشونه في الغيب كما يخشونه في الشهادة، ويتقونه في السر كما يتقونه في الجهر، قد برئوا من علامات النفاق، وأخلصوا دينهم لله، ثم لم يرتابوا {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير}[ الملك: 12]، ولنعي النداء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم } [محمد: 7]. ولا شك أن العلاقة بالله إنما تبنى في السر، بينك وبين الله، هناك وراء الأستار؛ حيث لا يراك إلا الله تعالى، وكلما عظم الإيمان عظمت الخشية، وهوت الأهواء، وترنحت تحت مطارقها الشهوات.

فليس التقي الذي يبتعد عن المعاصي والذنوب بحضرة الناس فقط، وبين عيونهم وآذانهم وحسب، ولكن التقي هو الذي يستشعر حب الله إذا خلا بنفسه، وغاب عن أعين الناس، فيهيم بمناجاته، ويتذكر عطاءه، فيطيل سؤاله، ويستشعر قوته وغضبه، فيلجم نزواته، فإذا بسريرته خير من علانيته، لا تطمع فيه المنكرات الخفية، ولا تستهويه الذنوب الشهية، فقد تعلق قلبه ونظره بمولاه عز وجل، {وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا} [الإسراء:17]، {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74].

أوليس من سوء الأدب مع الله عز وجل أن يقع الإنسان في ذنب ما كان ليقع فيه، لو كان بحضرته طفل من الأطفال، هل أصبح حياؤه من هذا الطفل أشدَّ من حيائه من الله جل وعلا، أتراه – في هذه الحالة – مستحضرًا قول الله تعالى: {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة:77] {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78]، {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء:108].

إن من أعجب الأشياء أن نعرفَ الله تعالى ثم نعصيه، ونعلمَ قدر غضبه ثم نتعرض له، ونعرف شدة عقابه ثم لا نطلب السلامة منه، ونذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تهرب منها، ولا تطلب الأنس بطاعته. قال قتادة: ( ابنَ آدم، والله إن عليك لشهودًا غير متهمة في بدنك، فراقبهم، واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضياء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله). {وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ} [فصلت:23،22].

قال ابن الأعرابي: ((آخر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد))، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16].

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل       خلوت ولكن قل عليّ رقيبُ

 ولا تحسبــــــــــــنّ الله يغـــــــــفل ساعةً        ولا أن مـا نخــــــــفيه عنه يغيـبُ

إن تقوى الله في الغيب، وخشيته في السر، دليل كمال الإيمان، وسبب حصول الغفران، ودخول الجنان، بها ينال العبد كريم الأجر وكبيره {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [يس:11]، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “أسألك خشيتك في الغيب والشهادة” رواه النسائي (1305) وصححه الألباني.

والمعنى أن العبد يخشى الله سرًّا وعلانية، ظاهرًا وباطنًا، فإن أكثر الناس قد يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن خشية الله في الغيب؛ إذا غاب عن أعين الناس فقد مدح الله من خافه بالغيب، وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: “زهّدنا الله وإياكم في الحرام، زهادة من أمكنه الحرام والذنب في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه”. وقال بعضهم: ((ليس الخائف من بكى فعصر عينيه، إنما الخائف من ترك ما اشتهى من الحرام إذا قدر عليه)).

اللهم هذه نواصينا الخاطئة بين يديك، فاغفر لنا وتب علينا، واكتب لنا توبة نهنأ بها ما بقينا حتى نلقاك.. فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، نستغفرك ونتوب إليك.

الخطبة الأخرى:

اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد على حمدنا إياك، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

من عادة المؤمنين وديدنهم أنهم يقولون: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] ومن أجل تربية النفس على الرقابة الذاتية، وتربية الأهل والولد على طاعة الله في الغيب والشهادة، في زمن تكاثرت فيه الذنوب الخفيات الأمور التالية: تربية النفس على قوة الإيمان بالله تعالى، وبوعده، ووعيده على المعاصي، والنظر في شدة بطشه وانتقامه وسطوته وقهره، فذلك يوجب للعبد ترك التعرض لمخالفته، كما قال الحسن: ((ابن آدم، هل لك طاقة بمحاربة الله، فإن من عصاه فقد حاربه)). وقال بعضهم: ((عجبت من ضعيف يعصي قويًا)).

إن ((قوة المراقبة لله، والعلم بأنه شاهد رقيب على قلوب عباده وأعمالهم، وأنه مع عباده حيث كانوا، فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته، أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر)).

قال وهب بن الورد: ((خف الله على قدر قدرته عليك، واستحِ منه قدر قربه منك)). وقال: ((اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك)).

ومما يوجب خشية الله بالغيب: استحضار معاني صفات الله تعالى، ومن صفاته (السمع، والبصر، والعلم)، فكيف تعصي من يسمعك، ويبصرك ويعلم حالك؟!.. فإذا استحضر العبد معاني هذه الصفات، قويَ عنده الحياء، فيستحي من ربه أن يسمعَ منه ما يكره، أو يراه على ما يكره، أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه، فتبقى أقواله وحركاته وخواطره موزونة بميزان الشرع غير مهملة ولا مرسلة تحت حكم الطبيعة والهوى، قال ابن رجب: ((فتقوى الله في السر، هي علامة كمال الإيمان، ولها تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبها الثناء في قلوب المؤمنين)). قال أبو الدرداء: (( ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين)). وقال سليمان التيمي: ((إن الرجل ليصيب الذنب في السر، فيصبح وعليه مذلته)). وقال غيره: ((إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله ثم يجيء إلى إخوانه فيرون أثر ذلك الذنب عليه)).

وهذا أعظم الأدلة على عدل الإله الحق، المجازي بذرات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار. فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامد الناس بسخط الله عاد حامده من الناس ذامًّا له.

ومن أعجب ما رُوي في هذا، ما رُوي عن أبي جعفر السائح قال: ((كان حبيب أبو محمد تاجرًا يكري الدراهم، فمر ذات يوم بصبيان فإذا هم يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا. فنكس رأسه، وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان. فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب، إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة، ثم مرّ ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد. فبكى، وقال: يا رب، أنت تذم مرة وتحمد مرة، وكله من عندك.

إذا السر والإعلان في المؤمن استوى         فقد عزّ في الدارين واستوجب الثنا

فإن خــــــالف الإعـــلان ســرًّا فـــــما له             على سعيه فضل ســــوى الكدّ والعنا

قال سفيان الثوري: “إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا”. وودّع ابن عون رجلاً فقال: “عليك بتقوى الله، فإن المتقي ليست عليه وحشة”. وقال زيد بن أسلم: ((كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا)).

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا خشيته في الغيب والشهادة، وفي السر والعلانية.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك.

اللهم فك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضال المسلمين، وهيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويهدى فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.

اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

الله صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 

 



اترك تعليقاً