السفر للسياحة .. وصايا ومحاذير

السفر للسياحة .. وصايا ومحاذير 

الخطبة الأولى

الحمد الله كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: عباد الله، يقول الله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71].

هذه أوامر الله عز وجل، وما يترتب على قبولها والعمل بها من صلاح وفلاح في الدنيا والآخرة، اتقوا الله: أي اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، وأطيعوه فيما أمر، وانتهوا عما نهاكم عنه وزجر، وقولوا قولاً سديدًا، أي صادقًا صوابًا، وإنَّ أصدق ما يقول العبد: (لا إله إلا الله) إعلان العبودية لله وحده لا شريك له، فما نتيجة ذلك؟ إصلاح الأعمال التي تبنَى على إصلاح النيات، وغفران الذنوب، وإذا صلحت النية، وصلح العمل، وغفر الذنب، فذاك الفوز العظيم في الدنيا بمرضاة الله وتوفيقه، وفي الآخرة بالثواب الجزيل وجنة عرضها السموات والأرض.

أيها الأحبة في الله:

إن الوصية بتقوى الله تعالى التي تتردد في كتاب الله الكريم، وأحاديث مصطفاه صلى الله عليه وسلم، وتطرق أسماعنا كل جمعة من الخطيب، لا ينبغي أن تكون كلمة عابرة، ولا أمرًا رتيبًا نعتاد سماعه دون أن نعيه، بل هي أساسٌ أعظمُ من أسس معيشتنا وحياتنا في هذه الدنيا، وهي أساس فلاحنا في الآخرة.

ولعلنا في خطبتي اليوم – ونحن نتحدث عن السفر للسياحة- نوازن بين من يستصحب معنى التقوى في نفسه، ومن يهجره ويتركه، ويسافر بدونه، والله تعالى ينادينا: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197]، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: “كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها” رواه مسلم، هكذا يوجز الرسول صلى الله عليه وسلم فلسفة الاغتداء والرواح بشتى أشكالها وأنواعها، ويوضح في هذا الشطر من الحديث الجامع أن كل سعي للإنسان محسوب عليه ومجزي به، فمن اغتدى في مرضاة الله وشغل نفسه وأهله فيما أباحة الله فقد سعى في إعتاق نفسه، ومن غدا أو راح في سخط الله، أو في طريق يؤدي إلى سخط الله فقد خسر نفسه وأهلكها، ولا ريب أن السفر كما قال عنه صلى الله عليه وسلم: “قطعة من العذاب” إلا أن فيه شيئًا من المتعة والاستجمام؛ مما يهيئ النفس للإقبال النشط على ما ألزمها الإنسان من جد وعمل.

أخي الكريم.. رب الأسرة نعم..

إن لأسرتك حقًّا في هذه الإجازة.. أن تتيح لهم فرص الترويح عن نفوسهم خارج إطار المنزل، بقدر وسعك، وبدون أن يؤدي ذلك إلى استدانة وضيق.. ولكن من حقهم عليك أيضًا أن تحافظ على دينهم وأسس تربيتهم وسلوكهم، ولذلك فإن من أعظم التفريط في الأمانة أن تذهب بهم إلى مواطن السوء في أي بلد كان، أو تترك لهم أن يذهبوا وحدهم إليها.

وقد أحببت اليوم أن أمزج ما يتعلق بالسفر للسياحة مع آداب السفر، ليعم النفع بها أيضًا بإذن الله..

أخي الكريم..

إن التقي الصالح إذا أراد سفرًا فإنه يقدم الاستخارة كما وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما دام السفر مباحًا، ويكررها إذا شاء ثلاثًا، وإذا عزم فليبدأ بالتوبة ويخرج من مظالم الخلق وحقوقهم، ويسترضي والديه، وتستأذن المرأة زوجها، والمستدين الدائن مادام الدين حالاً.

ولينطلق غير متطير بشهر أو يوم، فالطيرة شرك والعياذ بالله، والسنة السفر يوم الخميس أو الاثنين باكرًا.

وليطلب الرفيق الصالح، وليكونوا ثلاثة على الأقل، فالمسافر شيطان، والمسافران شيطانان، والثلاثة ركب؛ كما ورد في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني، وليبتعد عن المال الحرام؛ فهو ممحوق البركة. وعن السفر وحده ليلاً، وإذا ركب دعا بدعاء السفر الوارد، وإذا شاء تصدق في ركوبه للسفر، وإذا عاد شكر لله تعالى.

أما غير التقي فإن همّه من السفر هو المتعة المحرمة، والتلذذ بكل قاذورات الدنيا، ولذلك فإن آداب السفر التي أوردتُ بعضها سلفًا ليست في قاموسه، بل أول ما يفكر فيه هو: مَن مِن الأصدقاء يصلح لتحقيق هذا الهدف الدنيء معه؟ لا شك أنه ذلك الذي لديه خبرة أعلا في الفحش، ولديه القدرة على تزيين السوء في نظره، بل ويصوره على أنه الفتح المبين، والبطولة الخيالية، {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202]. ولقد تبين من وقائع الأحوال أن بدايات الانحراف للشخص السوي تكون عن طريق أولئك الشرذمة، فهم الذين يقدمون السيجارة الأولى والكأس الأولى، حتى إذا وقع في حبائلهم أخذوا في ابتزاز أمواله، حتى إذا هلك ما عنده انفضوا من حوله، وتركوه يصارع موجات الإدمان ومرائر الإفلاس المدقع، بل والأمراض الخبيثة الفتاكة التي تنتهي به إلى الموت الذليل..

وإني لأعرف شابًّا كان معدودًا من أهل الخير، حريصًا على مجالس الصالحين، والاقتداء بهم، شيئًا فشيئًا تزحزحت قدمه عنهم عن طريق إغراء أهل الفساد له، راحوا يستجرونه بشتى الأساليب الشيطانية، ويعرِّفونه بأحوالهم البائسة التي يظهرونها أمامه على أنها المتعة والشباب، والفتوة والسعادة، وأخذوا يمتصون ما عنده من أموال حصل عليها بالجهد الجهيد من عمله اليسير، بعد أن وصل إليه بعد عناء، وفرح به والداه الفقيران اللذان كانا يتمنيان أن يريحهما من عناء الحياة، وأتعاب الشيخوخة، ولكنهما كانا يجهلان الطريق الجديد الذي سلكه ولدهما، لقد أصبح السفر إلى المتعة المحرمة ديدنه مع أصحاب السوء، فلم تعد رواتبه تكفي لذلك، فراح يحتال للاستدانة من الناس، مستغلاً علاقاته السابقة بالصالحين، حتى تراكمت عليه الديون، وفي إحدى السفرات انقلبت السيارة بسبعة من الشباب العاصي فخرج من خرج، ومات عدد منهم؛ كان هذا الشاب أحدهم، لقد مات فلم يجد من يتألم له!! حتى من أهله حين علموا بطريق الفساد الذي سلكه. بل أصبح وبالاً عليهم حتى بعد موته، حين جاء أصحاب الديون يتقاضون ديونهم من بيت فقير، ليس لديه سوى قوت يومه.

أيها الإخوة المؤمنون، وإذا كانت صحبة السوء هي أمّ منكرات السفر، فإن المنكرات الأخرى ليست قليله ولا هينة. ومن ذلك السفر إلى بلاد المشركين، فإنه حرام إلا بثلاثة شروط: أن يكون لديه علم يدفع به الشبهات، ودين يدفع به الشهوات، وأن يكون محتاجًا لذلك، بحيث لا توجد حاجته في بلد مسلم كالعلاج، والدراسة، والتجارة إذا لم توجد إلا في بلاد الشرك.

و مما انتشر وللأسف الشديد أن يسافر الزوج بزوجته لقضاء ما يسمى شهر العسل في بلاد الكفر والانحلال؛ بحجة أن يقضيا أسعد أيامهما، وكان أولى بهما أن يستفتحا بيت الزوجية بالسفر إلى الحرمين الشريفين، في أقدس بقعتين على وجه الأرض لعل الله أن يبارك لهما، وإذا شاءا بعد ذلك السياحة ففي مصايفنا الداخلية الجمال والمتعة مع الحشمة والحفاظ على المروءة، وإذا أبيا ففي البلاد المسلمة، فهي أقل سفورًا ومنكرات من بلاد الكفر، ويكفي أن فيها بيوت الله يرفع فيها اسمه.

وإن مما يجرح المروءة فضلاً عن المخالفة الكبرى للشرع أن تتجرد المرأة المسلمة من حجابها الشرعي بمجرد ركوبها الطائرة، أو حين تهبط الدولة السياحية التي وصلتها، وكأنها تتجرد من تعاليم دينها العظيم، وكأنها تعلن الحرب على الله بمجرد انفلاتها من أنظار مجتمعها، إن هذه المرأة لم تتحجب في الواقع داخل المجتمع المسلم دينًا واعتقادًا بوجوب الحجاب عليها، وإنما كانت تتحجب عادة وتقليدًا وخوفًا من الرقابة الاجتماعية عليها وعلى أسرتها، وإني لأتعجب من ذلك الزوج الذي ضيّع أمانة الله التي في عنقه، وسمح لامرأته بنزع حجابها، كيف لم يخش الله ويتقه وهو في بلاد غربة لا يدري أيعود منها أم لا، كيف لم يستحي من الناس وهو يرى عيونهم تتوجه إليه، وهو بجانب امرأة سافرة، كيف ماتت الغيرة في نفسه وهو يرى شهواتهم تطفح على أنظارهم وهم يستمتعون بمحاسن امرأته.

ولقد انطلقت طفلة صغيرة من يدي والديها في إحدى المطارات السياحية متوجهة إلى امرأة كانت تعرفها محجبة في بلدها، وسألتها ببراءة: لماذا خلعت عباءتك، ألم تكوني في بلدنا تلبسينها؟ أما تستحين؟

لقد نطقت الفطرة السليمة على لسان الفتاة، ولكن أين القلوب التي تعي، وتعود إلى الله إذا ذُكِّرَتْ؟ يقول الله جل وعلا: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135- 136]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الأخرى:

الحمد لله وكفى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد.. فاتقوا الله تعالى وأطيعوه..

أخي المسلم: يا من صعدت بطائرتك عنان السماء تذكر أن لله ما في السماوات وما في الأرض، فأنت أينما سرت، ففي ملك الله وتحت تصرفه، يا من قصدت مكانًا لا يعرفك فيه أحد تذكر أن الله مطلع عليك.

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل       خلـوت ولكــن قل عليَّ رقيـب

ولا تحسبـــــن الله يغفل ســــــاعة           ولا أن ما تخفي عليه يغيب

يا من تتشرف بعبوديتك لله عز وجل تذكر أن الله معبود في كل مكان، وأن الأرض للمسلم مسجد وطهور، فأقم الصلاة في كل مكان، وجاور المساجد في كل بلد ترحل إليها، واحذر من دعاة الفساد بأي شكل من الأشكال، وإن دعاك لهذا أحب الناس إليك، فإن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليك؛ فحضور الأفلام السينمائية المنحلة حرام، ومشاهدة مسرحية مختلطة حرام، والاستمتاع بالسيرك المليء بالسحر والشعوذة وقراءة الكف والفنجان والموسيقى حرام، وذهاب المسلم ولو كان مريضًا إلى الكهنة الذين يدَّعون معرفة المغيبات حرام، بل لا يجوز تصديقهم فيما يخبرون به، فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيب، أو يستحضرون الجن ليستعينوا بهم على ما يريدون، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة)) رواه مسلم (2230). وصح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم: ((من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)) رواه ابن ماجه (639) وصححه الألباني.

وليحذر الشباب الذين يسافرون وحدهم إلى مواخير الفساد ولعب القمار، لينتهكوا حرمات الله، وليحذر أولياء الأمور من السماح لأولادهم بالسفر مع الرحلات السياحية التي يعلن عنها تجار الأخلاق والفساد؛ فإنما أُعدت بأسعار مغرية لتنفيذ برامج أعداء الإسلام الذين يتميزون غيظًا حين يرون صلاح شبابنا واهتمامهم بدينهم.

وبعدُ.. فإن في بعض البلاد السياحية في ديار الإسلام متعة حلال من جو طيب، وأكل طيب حلال، ومناظر خلابة تستدعي التفكر في عظيم خلق الله جل وعلا، وفيها غُنيةٌ عن ديار الكفر والفساد.

فاللهم أغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، ودمّر كل من يكيد للإسلام وأهله، واجعل تدبيره تدميرًا له، وأشغله بنفسه.

اللهم دافع عن إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم نفس كرباتهم، وفرّج همومهم وأحزانهم، واحفظ أرواحهم وأعراضهم وأموالهم، وثبتهم على دينك يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلحنا وأصلح ولاة أمورنا، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم وفّق كل من ولي من أمرنا شيئا لما تحب وترضى، وارزقهم حبك وحبك كل شيء يقرب إلى حبك، وثبتهم على الحق المبين.

اللهم حرر القدس الشريف وجميع الأرض المباركة من أيدي اليهود المغتصبين، وحرر جميع ديار المسلمين من أيدي أعدائهم، اللهم أحينا مع والدينا وأهلينا وذرياتنا حياة طيبة، واختم لنا ولهم بالصالحات، واغفر لنا ولهم وللمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، يا غافر الزلات، ربنا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه الطيبين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.



اترك تعليقاً