حتى لا ننس قدسنا السليب

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. أما بعد:

فإن تتابع المصائب العظام على أمتنا، أصابت المتابعين بالذهول، وما وجدت في قلوب اللاهين اللاهثين خلف الشهوات صدى يُسمع، فأي جرح يُخاط، وأي خرق يرقع، وأية قضية تتابع، وأية حاجة تسد؟

ماذا نقول لإخواننا على أرض الشيشان، وقد أُمطروا بأطنان القنابل ليل نهار، لا يدري أحدهم متى يتحول هو وأسرته إلى شظايا ودماء، مدينة بأكملها تُحاصَر من جميع جوانبها وتحول إلى مخزن بشري لأكثر من أربعين ألف مسلم ومسلمة شيبًا وشبابًا، نساءً ورجالاً، كبارًا وصغارًا، وتشعل فيها النيران؛ ليحترق الجميع بلا رحمة، لتستلم روسيا الحمراء أرضنا بعد ذلك جرداء، والأمة ذاهلة عاجزة عن نصرتهم، إلا من رحم ربي، ولم تستطع أن تقدم سوى الغذاء والكساء والدواء؟!!

ماذا نقول لإخواننا في كشمير، وهم يصارعون عُبّاد البقر منذ عقود، من أجل الحصول على حقهم الإنساني لإقامة دولتهم على أرضهم المسلمة، وفي كل يوم لهم شهداء وأيتام وأرامل، وبيوت تُدَمر، وأعراض تُنتهك، والأمة ذاهلة لاهية، لا تتذكرهم إلا حين يطفح الكيل، وتقع عليهم الكوارث الكبرى، التي تتحرك لها حتى قلوب الكفار.

وماذا نقول لإخواننا في فلسطين، وقد أُحيط بهم، وشُرِّدوا تحت كل كوكب، وباتت آلاف الأسر في مخيمات الجوع والنصب والعذاب، ولا يزال الآلاف منهم في سجون اليهود المغتصبين، والأمة مشغولة عنهم: كلٌّ بليلاه، وكأن أعداء أمتنا قد نجحوا في تفتيت جسد أمتنا حتى وصلوا إلى قلبها، فمزقوا مشاعره، وشتتوا شمله، حتى غابت صورة القدس الشريف عن أنظار بعض المسلمين، وكأنهم سلموا بالواقع المزري، واعترفوا لليهود بسيادتهم على أرضه.

معاشر المسلمين.. لقد تعددت المؤامرات الرامية إلى تذويب شخصية الأمة الإسلامية، ومحو معالمها ومميزاتها؛ لكي تستجيب لمتطلبات المرحلة العالمية الجديدة، والتي يرجو الغرب أن يهيمن فيها على مقدرات العالم، ومزج جميع أديان وحضارات العالم في شخصيته، لتكون أكثر تبعية لقيادته للحياة المعاصرة، وهو ما عبّروا عنه باسم جديد له بريقه ولهيبه، وهو العولمة، وإذا كان حديث اليوم ليس عن هذه القضية، ولكن العولمة بلا شك إلى جانب بعض إيجابياتها القليلة، لها آفاقها السلبية التي قد لا نستطيع أن نكتشفها إلا بعد حين، ولها صلاتها بتكوين أحكام جديدة، وإسهام خطير في صناعة مواقف حساسة من قضايا أمتنا المصيرية، ومن ذلك قضيتنا الأولى قضية فلسطين والتي يخصها حديث اليوم.

إن التآمر العالمي الصليبي واليهودي يهدف إلى محاولة ترويض أحاسيسنا بحيث نقبل بوجود عنصر غريب على أمتنا في قلب جسدها الواهن، عنصر قال فيه الملك الجليل: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } [المائدة: 82]، اليهود الذين كانوا سببًا في وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري في صحيحه عن يُونُس عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «يَا عَائِشَةُ! مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ» يشير إلى اليهودية التي دست له السم في كتف الشاة وأهدتها له فأكل شيئًا منها حتى أخبرته بأنها مسمومة فامتنع منها.

اليهود العدو الدائم التربص بأمتنا، فمرة يغير على أراضينا بحشوده وقنابله، ومرة بدسائسه ومؤامراته، ومرة بجراثيمه وأمراضه، مستهدفًا الأرواح والأموال والثمرات.

إنهم الآن يساوموننا على عزيز من أعز مقدساتنا إلى قلوبنا، حفرت محبته في قلوبنا من يوم أن ربط الله تعالى ذكره بذكر نبينا r في قوله جل وعلا { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الإسراء: 1].

فهل ستستطيع تلك الخطط والدسائس أن تنتزع حب مقدساتنا من قلوبنا؟ وهل سينجحون في إبعاد المسجد الأقصى والقدس الشريف عن ذاكرتنا، أو ذاكرة الأجيال القادمة في أمتنا.

إن الأحاديث في فضل المسجد الأقصى المبارك، والصلاة فيه ستظل في خواطر المؤمنين أماني ظامئة، تنتظر ساعة التحقيق على أرض الواقع مهما طال الانتظار، فإذا لم يتحقق ذلك لجيل اليوم سيتحقق بإذن الله لجيل الغد؛ تحقيقًا لوعد الرسول الكريم في قوله r: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ» والحديث رواه مسلم وغيره.

إن المسجد الأقصى ثاني مسجد بُني لله تعالى في الأرض، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِدٌ» رواه البخاري.

المسجد الأقصى هو القبلة الأولى للمسلمين؛ حيث توجه إليه المسلمون مع رسول الله r ستة عشر شهرًا أو تزيد شهرًا، حتى أمر الله تعالى بتغيير القبلة إلى المسجد الحرام. وثالث المساجد فضلاً، قال الرسول r: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» رواه مسلم.

وقد ورد في فضل الصلاة فيه أحاديث، منها ما رواه ابن ماجه وصححه الألباني عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أن الصَلَاة فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحدٌ لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما اثنتان فقد أُعطيهما، وأرجو أن يكون قد أُعطي الثالثة”، وما ذاك معاشر المؤمنين إلا لفضل هذا الموطن المبارك.

وهو مسرى نبينا r، وحادثة الإسراء التي فُرضت فيها الصلاة أعظم أركان الإسلام شأنًا بعد الشهادتين، حينما ارتبطت بالمسجد الأقصى فإنها تشير إشارة واضحة إلى ارتباط هذه الأمة بذلك المسجد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، قَالَ فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ..» إلى آخر الحديث الذي رواه البخاري.

وصلاة الرسول r بالأنبياء فيه، إشارة إلى أنه خاتمهم، وأن دينه نسخ جميع أديانهم، روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ يَعْنِي نَفْسَهُ، فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ» رواه مسلم.

إذن فارتباطنا بالمسجد الأقصى ليس ارتباطًا بأرض، وإنما هو ارتباط بعقيدة ومبدأ وتاريخ وأهل لا يزالون يستنصروننا بما عهدوا في كتاب الله في مثل قول الله تعالى: { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ } [الأنفال: 72] فهل من مجيب؟!

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآي والذكر الحكيم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم. 

الخطبة الأخرى:

الحمد لله الذي جعلنا من خير أمة أُخرجت للناس، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ختم بالإسلام الرسالات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ختم به ربه النبوات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

أما بعد:

يحرقك جيل اليوم حين يسألك أحدهم: لماذا تتحدث عن فلسطين؟ ظنًّا منه أنها كغيرها من بلاد أمته، آمنة مطمئنة. أو حين تسألهم أنت عنها فلا تجد عندهم جوابًا، وكأنما نجحت المؤامرات والمؤتمرات الهادفة إلى تجهيلهم بأهم قضية يجب على المسلم أن يعمل من أجل نصرتها، ولكنك سوف تجد الإجابة التامة الكاملة حين تسألهم عن مسلسل تافه، وعن ممثلة عاهرة، وعن متابعة دورة للألعاب تقام في قارة من قارات العالم.

فحتى لا ننسى فلسطين، وحتى لا تبتعد صورة القدس عن عيوننا ولا عن قلوبنا ونحن نتابع جرح المسلمين في الشيشان وكشمير وغيرهما، ونحن نعوم في بحر دنيانا، كان لا بد من تذكير الأجيال المسلمة بها جيلاً بعد جيل، لتبقى مسؤولية استنقاذه من أنياب ناهبيه متوارثة دائمة، حتى يأتي الله بأمره، ويتحقق النصر المبين الذي وعدنا به، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

نعم إذا كان هناك من أهل فلسطين من يئس واستسلم للواقع، فإن فيها من بقي على عهده الوثيق لم يتزعزع عنه قيد أنملة، فلا يزال يقبض على زناد الثقة في الله تعالى، منتظرًا الفرج الأكيد منه تعالى، ومن أصدق من الله ورسوله وعدًا‍ وحديثًا.

هذا الحاج موسى أحد رجالات المجاهد الكبير عز الدين القسام رحمه الله أيام الاحتلال الإنجليزي لفلسطين، رجل مسنّ، سُجن ردحًا من الزمن بسبب جهاده ضدهم ثم أُطلق، ثم دخل أولاده الثلاثة سجن اليهود بأحكام مؤبدة ولا يزالون فيه، جاءه السماسرة نيابة عن المستوطنين اليهود، عرضوا عليه ما يعادل ربع مليون دولار ليبيع بيته القريب من المسجد الأقصى المبارك، فأجابهم بأن المبلغ لا يساوي شيئًا بالنسبة إليه، فظنوا أنه يريد المزيد فضاعفوا المبلغ، فصاح بهم أنه كذلك لا يساوي شيئًا، فقالوا: نعطيك شيكًا مفتوحًا، فقال: هذا قليل، فقالوا وهل هناك أكثر من الشيك المفتوح؟ فأجاب: نعم.. أحضروا لي ورقة موقعة من جميع المسلمين في الأرض بحيث لا يبقى مسلم واحد صغيرًا كان أم كبيرًا إلا وقد وقَّع عليها، ثم تعالوا استلموا المنزل بدون مقابل.

ذلك مثال واحد من عشرات الأمثلة لرجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً.

القدس في خطر حقيقي أيها المسلمون: فبعد أكثر من ثلاثين عامًا من ممارسات الترغيب والترهيب والتضييق، ومصادرة الأراضي وهدم البيوت، وإجلاء الأسر العربية نجح اليهود في إيجاد حقائق جديدة على الأرض المقدسة؛ حيث أصبحت القدس المحتلة اليوم ذات أكثرية يهودية محتلة وأقلية عربية مغلوبة على أمرها؛ حتى قال أحدهم: ((لا داعي لسيارات الجيب والشاحنات العسكرية لترحيل أهل القدس من بيوتهم؛ لأن الإدارة وضعت نظام إبعاد جماعي بطيء ومتطور استخدمت فيه بنجاح نظام المعلومات)).

القدس في خطر حقيقي أيها المسلمون: فلا يزال الطوق الأمني الذي فرض عليها منذ سبع سنوات مستمرًّا حتى الآن؛ مما أدى إلى عزلها عن الضفة الغربية، وتخريب الحياة الاقتصادية فيها، وحرمان الفلسطينيين المسلمين من حق العبادة والصلاة في المسجد الأقصى، والتضييق على المدرسين والطلاب في وصولهم إلى مدارسهم مما يؤدي إلى تركها نهائيًّا.

القدس في خطر حقيقي أيها المسلمون: فقد باتت سياسة تشتيت شمل الأسر المقدسية سائدة؛ حيث يضطر العائل في النهاية إلى سحب عائلته من المدينة، وهو ما يؤدي إلى تفريغ القدس من سكانها المسلمين ليصفو الجو بعد ذلك لليهود.

القدس في خطر حقيقي أيها المسلمون: فهؤلاء المتطرفون اليهود يعملون ليل نهار لإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وهو يرون أنه قد حان الآن موعد إقامته، فأعدوا المذبح المقدس الذي يوضع فيه، والطوب التوراتي الخاص ببنائه. حتى قال أحد زعمائهم: ((نحن الآن مدعوون للتضحية بأنفسنا وأرواحنا.. ومهمة هذا الجيل تحرير الهيكل، وإزالة الرجس والرجاسة عنه))، وتابع يقول خذله الله: ((سترفع راية إسرائيل فوق أرض الحرم، لا صخرة ولا قبة ولا مساجد، بل راية إسرائيل، فهذا واجب مفروض على جيلنا)).

القدس في خطر يتهدد تاريخها وحاضرها ومستقبلها، ويتهدد مقدساتها عامة والأقصى المبارك خاصة، ويتهدد الإنسان ودينه ولقمة عيشه، إنها تسير في طريق التهويد اسمًا ورسمًا؛ لأنها بإجماع يهود الأرض يجب أن تكون عاصمة أبدية لدولتهم اللقيطة.

وإذا كانت القدس في خطر، فمسجدها الأسير في خطر أشد، فهو محاصر بحزام استيطاني يهودي؛ فهو شبه منقطع عن الامتداد السكاني المسلم من حيث المكان والمباني والكثافة السكانية، ومن جانب آخر تحيط به الحفريات اليهودية من عدة جوانب؛ مما يزيد احتمال سقوطه في أية لحظة. وإن أخشى ما يخشاه الغيورون على إسلامية القدس، أن يتحدث العرب والمسلمون بعد زمن قليل عن قدس تاريخية لا عن قدس شريف يحمل البعد الإسلامي الضارب في أعماق الحس العقائدي. وإن ضياع القدس يعني التفريط في أولى القبلتين وثالث البيتين، ومسرى الحبيب محمد e، كما يعني هدم ركن أساس من أركان الكيان الإسلامي والحضارة الإسلامية في هذا العصر، ولن يبقى للوجود العربي والإسلامي هيبة في نفوس أعدائهم ولا أصدقائهم من الملل الأخرى.

إن المسجد الأقصى ويئن ويقول:

كل المساجد طُهرت

وأنا على شرفي مدنس

ويتلفت يمينًا وشمالاً فلا يرى إلا حرًّا مكبلاً، وأمة مزقًا، فيصيح:

قطع الطريق علي يا أحبابي

ووقفت بين مكابر ومحاب

أو ما قرأتم في ملامح صخرتي

ما سطّرته معاول الإرهاب؟

أو ما رأيتم خنجر البغي الذي

غرسته كف الغدر فوق قبابي؟

أخواي في البلد الحرام وطيبة

يترقبان على الطريق إيابي

يتساءلان متى الرجوع إليهما

يا ليتني أستطيع رد جواب !!

اللهم يا مَن بيده ملكوت السماوات والأرض، هيئ للقدس فرسانها، وفك بهم أسرها، وارزقنا في مسجدها الأقصى صلاة آمنة مطمئنة نهنأ بركوعها وسجودها، إنك سميع الدعاء.

ثم صلوا وسلموا على معلم الناس الخير ومربي البشرية على منهج الله القويم سيدنا ونبينا وقرة أعيننا محمد بن عبد الله كما أمركم الله جل وعلا بذلك فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، سلما لأوليائك حربا على أعدائك.

اللهم فك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضال المسلمين، وهيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً