حرمة الخمر

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أعز أمة الإسلام؛ فأباح الطيبات وحرم الخبائث، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فأوصيكم عباد الله بتقوى الله وطاعته في المنشط وفي المكره، في السر وفي العلانية، في اليسر وفي العسر، في الحضر وفي السفر، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

ظللت سنوات طويلة وأنا أتوجع – مثلكم – كلما رأيت في صحفنا المحلية اكتشافات جديدة في بلادنا، ليس لمخترعات إبداعية، ولا لمبتكرات علمية، ولا لعقول ومواهب واعدة، ولكنها اكتشافات لمصانع خمر تتوارى في مزارع وخرائب، وتقوم بها بعض العصابات التي وفدت في أثواب عمال، وربما كانت الاكتشافات على الحدود في شكل شاحنات كانت عازمة على الدخول بمئات الآلاف من الزجاجات المصنعة في الخارج، والتي تستهدف روح العزيمة والرجولة في شبابنا ورجالنا.

فأقول: جزى الله رجال الأمن كل خير، على هذه الجهود الجبارة التي يبذلونها في سبيل وقاية المجتمع من هذه السموم التي تنخر في جسد مروءة مجتمعنا ودينه وصحته.

وجزى الله رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل خير، على ما يبذلونه في استكشاف هذه الأوكار الخبيثة، وكل مواطن ومقيم دلّهم على خيط يوصلهم إليها.

ولكني أعود فأقول: إلى أين تذهب هذه الأطنان من الخمرة.. إلى أية بطون، وإلى أية بيوت، وماذا عن تلك البيوت المبتلاة بشارب خمر سكير، تنصل من مسؤوليته ابنًا لأبوين كانا يأملان فيه أن يكون مستقيمًا بارًّا ناجحًا في الحياة، ومن مسؤوليته زوجًا كانت زوجته تعقد الأحلام على أن تعيش معه سعيدة مرتاحة القلب، في عش من الأنس والمودة والرحمة والسكينة، ومن مسؤوليته أبًا قدوة لأولاده، كل أمنياتهم أن يكونوا مثله؟!!

إننا أبناء دين عظيم، هو الدين الوحيد على وجه الأرض الذي حرّم الخمر بالكامل. قال نبيه صلى الله عليه وسلم: “ما أسكر كثيره فقليله حرام” والحديث رواه أبو داود وصححه الألباني. فلا يوجد عذر في دين الإسلام لمن يرشف رشفة أو يتناول جرعة من أي شراب مسكر.

بل في القرآن الكريم كتاب الحق الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، حرّمت الخمرة بكل صراحة ووضوح، بأشد العبارات وحرم معها شرور أخرى وهي الميسر والقمار والأنصاب والأزلام؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ والميسر ويصدكم عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 90 – 91]. 

وقد ينوّع العصر الحديث أسماء الخمرة؛ ليغري بها الجهلة وعباد الشهوة، ولكنها في النهاية خمرة محرمة، مادامت تدخل ضمن تعريفها اللغوي، وهو: كل ما خامر العقل وغلبه، وتعريفها الفقهي وهو: كل مسكر؛ فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كل مسكر خمر، وكل خمر حرام” رواه مسلم.

وأما قوله تعالى: {لعلكم تفلحون} فهو إشارة إلى منافع ترك الخمرة، وهو مما استفاض طبيًّا في العصر الحديث، وسوف أورد شيئًا من ذلك في موضعه إن شاء الله.

وقد بيّن ربنا سبحانه مضار الخمر والميسر، فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ والميسر ويصدكم عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91] لذا وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “الخمر أم الخبائث” رواه الطبراني في الأوسط وحسنه الألباني.

فالخمر إذا أذهبت العقل هانت كرامة الإنسان على غيره، وفقد القدرة على إدراك الخير والبعد عن الشر، هذا فضلاً عن الأضرار الفادحة التي تلحقها بصحة البدن وتهدد حياته، كما يمتد ضررها إلى الأولاد والأجنة. وإذا كان الله تعالى لم يذكر تعليل الأحكام الشرعية إلا بإيجاز في مواضع كثيرة، فإنه هنا فصل في بيان الحكمة من تحريم الخمر والميسر ليشير إلى ضررهما وخطرهما، ثم أكد سبحانه وتعالى التحريم وشدد في الوعيد فقال: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92].

وقد فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها، فعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الذي حرم شربها حرم بيعها” رواه مسلم.

وتعد الخمرة من أعقد المشكلات التي يجأر منها الغرب اليوم، ويبحث لها عن حل لكن دون جدوى. فهذا السيناتور الأمريكي وليم فولبرايت  يقول عن مشكلة الخمر: ” لقد وصلنا إلى القمر، ولكن أقدامنا مازالت منغمسة في الوحل، إنها مشكلة حقيقية عندما نعلم أن الولايات المتحدة فيها أكثر من 11 مليون مدمن خمر، وأكثر من 44 مليون شارب خمر”.

وقد نقلت مجلة لانست البريطانية مقالاً بعنوان “الشوق إلى الخمر” جاء فيه “إذا كنت مشتاقًا إلى الخمر فإنك حتمًا ستموت بسببه”.

إن أكثر من 200 ألف شخص يموتون سنويًّا في بريطانيا بسبب الخمر.

وينقل البروفسور شاكيت أن 93% من سكان الولايات المتحدة يشربون الخمر، وأن 40% من الرجال يعانون من أمراض عابرة بسببه، و5% من النساء و10% من الرجال يعانون من أمراض مزمنة.

وبعد هذا كله: ترى هل يدري شارب الخمر أنه يشرب سمًا زعافًا؟! إن صانع الخمر لو استنشق أبخرته لأصيب بالتهاب القصبات والرئة وبطانة الأنف مما يؤدي إلى ضعف حاسة الشم، وهو مما يشير إليه معنى قوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوه} فهي تعني النهي عن الاقتراب منه مطلقًا، وهي أعم من النهي عن شربه.

ويختلف تأثير الخمر السُّمّي كلما تغير مستواه في الدم، فقد يسبب تغير المزاج وإلى عدم توازن العضلات واضطراب الحس، وقد يصاب بالغثيان وازدواج الرؤية واضطراب شديد في التوازن. وقد تهبط حرارة البدن ويضطرب الكلام ويفقد الذاكرة. وقد يدخل الشاب في سبات عميق يصحبه قصور في التنفس وقد ينتهي بالموت.

ورغم أن كل أعضاء الجسم تتأثر من الخمر، فإن الجملة العصبية هي أكثرها تأثرًا حيث يثبط المناطق الدماغية التي تقوم بالأعمال الأكثر تعقيدًا، ويفقد قشر الدماغ قدرته على تحليل الأمور، كما يؤثر على مراكز التنفس الدماغية؛ حيث إن الإكثار منه يمكن أن يثبّط التنفس تمامًا إلى الموت.

هذا بالإضافة إلى تأثيراته المعقدة والكثيرة على الفم واللسان والذوق والأوعية الدموية الوريدية للمرّيء، فقد تبين أن 90% من المصابين بسرطان المريء هم مدمنو خمر. ومثلهم المرضى بوباء الكبد الغولي، وأصحاب اضطرابات القلب، والدماغ؛ حيث يؤكد باحثون بأن تناول كأس واحد أو كأسين من الخمر قد تسبب موتًا في بعض خلايا الدماغ، وهنا نفهم الإعجاز النبوي في قوله صلى الله عليه وسلم “ما أسكر كثيره فقليله حرام” والحديث رواه أبو داود وصححه الألباني.

ولها تأثير على الرغبة الجنسية في المراحل الأولى من الشرب، ثم تتناقص حتى تصيب بالعنّة الكاملة، وهي عدم القدرة الجنسية نهائيًّا.

نسأل الله أن يعافينا من كل داء وفتنة. توبوا إلى الله واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الأخرى:

الحمد لله ولي الحمد وأهله، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا بأن الله لم يحرم علينا شيئًا إلا وهو يعلم أنه شر علينا، فليس صحيحًا أن في الخمرة دواء، فقد روى مسلم في صحيحه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنه ليس بدواء ولكنه داء”.

وفي صحيح البخاري في كتاب الأشربة عن ابن مسعود قال في السُّكْر: “إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم”، كيف والكحول لا يترك عضوًا من أعضاء الجسم إلا أصابته بعلة كما يقول الباحثون الغربيون؟!

ويؤكد شاربو الخمر أن لها قيمة غذائية، وإنها مفيدة للجسم.. وقد دلت الأبحاث العلمية على ضرر الاعتماد على الخمر كوسيلة غذائية؛ إذ ثبت أنها تضر أجهزة الجسم.

وتؤثر المشروبات الكحولية أيضًا تأثيرًا خطيرًا في الكليتين، فقد ثبت أنه عندما يمر الكحول منهما مع الدم يُحدِث فيهما تهيجًا والتهابًا. فإذا توالى هذا التهيج والالتهاب فإن نسيج الكليتين يُصَاب بالتلف، فقد دلت التجارب والإحصائيات على كثرة الإصابة بالتهاب الكلى؛ نتيجة إدمان تعاطي المسكرات.
يقول أحد الباحثين: “ومن الشهوات ما نهى النبي عنه، وأمر بمجاهدة النفس فيه، فقد حرم على المسلمين شرب الخمر وكل شراب يؤثر مثله. وقد بالغ المسلمون في العمل بهذا النهي، فكان من وراء ذلك أن نجت الأمم الإسلامية من مرض المسكرات، وهي الداهية التي تفجع اليوم أممًا كثيرة في أوربا. وكانت إحدى الأسباب في المجتمع الإنساني وظهور مذهب الفوضويين مما تجهله الأمم الإسلامية.
إن الخمرة – أعز الله السامعين – حرام شرعًا، بل هي من الكبائر العظام، وتركنا لها ليس لأنها مضرة فقط، وإنما قبل ذلك وبعده لأنها حرام.

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كل مُسكر خَمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يُدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة ” صحيح مسلم.

اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر إخواننا المجاهدين، وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، ووفقهم لإصلاح رعاياهم، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين         ولا مضلين، سلمًا لأوليائك حربًا على أعدائك.

اللهم فك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واهد ضال المسلمين، وهيئ لأمة الإسلام أمرًا رشدًا يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.

اللهم بارك لنا فيما أعطيتنا، وأغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المراجع:

روائع الطب الإسلامي  د. محمد نزار الدقر.

نظرات في المسكرات  د. أحمد شوكت شطي.

الأربعون العلمية، عبد الحميد محمود طهماز، دار القلم.



اترك تعليقاً